آراء

طاهر ادريس يكتب: عندما تتحول العناية المركزة إلى ساحة اعتداء

ليست واقعة ضابط وطبيب بالمعنى الدارج، بل هي الواقعة التي كشفت كيف يمكن لخلاف بسيط حول تعليمات العناية المركزة أن ينتهي بالسجن

ماذا حدث؟

مساء يوم الجمعة الماضي، تعرض طبيب عناية القلب بمستشفى سوهاج العام للاعتداء على يد مرافقين لأحد المرضى.
السبب المعلن في محضر المستشفى: الطبيب رفض إقامة مرافقة مع مريضة بالعناية المركزة، وهو إجراء طبي معمول به في كل مستشفيات العالم، يمنع وجود مرافقين داخل العناية لمنع العدوى وضمان تركيز الطاقم.

رد فعل المرافقين لم يكن شكوى أو اعتراض، بل اقتحام مباشر. وبحسب ما أكدته نقابة أطباء سوهاج، فإن المرافقين اقتحموا العناية المركزة بالدور الثاني بالمستشفى، واعتدوا على الطبيب أثناء تأديته عمله، وقاموا بإنزاله عنوة من داخل العناية والاعتداء عليه مجددًا على سلالم المستشفى حتى الطابق الأرضي.

الاعتداء لم يصب الطبيب وحده، بل تسبب في إصابته وإتلاف بعض الأجهزة الطبية داخل الوحدة، وتعطيل العمل مؤقتًا، وإثارة حالة من الذعر بين المرضى وذويهم.

على عكس وقائع أخرى تتهم فيها الشرطة بالانحياز، كان دور الأمن هنا هو نقطة التحول، تمكن ضباط قسم شرطة أول سوهاج من ضبط المتهمين وتم تحرير محضر باسم المستشفى.

المسار القانوني لم يتوقف عند الحبس الاحتياطي. الدكتور طارق منصور، مقرر اللجنة القانونية بنقابة الأطباء، أعلن صدور حكم بالحبس لمدة عامين بحق المتهمين الأربعة في واقعة التعدي على طبيب عناية قلبية أثناء تأدية عمله بمستشفى سوهاج العام، مؤكدا أن القضية اتخذت مسارها القانوني الكامل منذ اللحظة الأولى للواقعة حتى صدور الحكم.

لماذا سوهاج تتكرر فيها الوقائع؟

هذه ليست الواقعة الأولى. قبلها بأسابيع، شهدت مستشفيات جامعة سوهاج واقعة اعتداء من قبل ثلاثة أشخاص مطلوبين جنائيا على طبيبة قسم المناظير والجراحة العامة، أثناء تأديتها عملها بوحدة المناظير.
التكرار يكشف عن ثلاث حقائق منطقية:

1. مستشفى بلا حاجز أمني حقيقي: نقطة الشرطة داخل المستشفى لا تستطيع منع اقتحام 4 أشخاص غاضبين للعناية المركزة. لا يوجد باب إلكتروني ولا كاميرات مراقبة تمنع الدخول.

2. فجوة ثقافة: أهل المريض يعتقدون أن وجودهم بجانبه ينقذه، بينما الطب يرى أن وجودهم قد يقتله بالعدوى أو بتشتيت الطبيب. لا أحد شرح هذه المعلومة للأهالي بلغة بسيطة قبل دخول العناية. 3. غياب الردع السريع سابقاً: لسنوات كان الاعتداء ينتهي بصلح عرفي. حكم السنتين في سوهاج هو أول تطبيق حقيقي لمبدأ أن تعطيل العناية المركزة ليس مشاجرة، بل جريمة تعريض حياة مرضى آخرين للخطر.

الخلاصة العقلانية
واقعة سوهاج تثبت أن العلاقة بين الضابط والطبيب ليست عداوة حتمية. عندما يؤدي الضابط عمله في ضبط المعتدي، ويؤدي الطبيب عمله في حماية مرضاه، يربح الجميع.

المطلوب ليس هتافات على فيسبوك، بل ثلاثة قرارات إدارية بسيطة: باب مغلق للعناية لا يفتح إلا بكارت، كاميرا توثق من المعتدي ومن المعتدى عليه، ولافتة كبيرة تشرح للأهالي: “ممنوع الدخول ليس قسوة من الطبيب، بل حماية لمريضك”.

طاهر ادريس يكتب: عندما تتحول العناية المركزة إلى ساحة اعتداء

زر الذهاب إلى الأعلى