آراء

طاهر إدريس يكتب:مصانع إنتاج الأكاذيب

لم تعد الكذبة تحتاج إلى أرجل، اليوم لها أجنحة. زر واحد، وشخص واحد بلا ضمير، يستطيع أن يوصل كذبته لملايين في ثوانٍ معدودات.

هذه هي آفة عصرنا الحقيقية، لم يعد رواد السوشيال ميديا مجرد ناقلين للأخبار، بل أصبح الكثير منهم مصانع لإنتاج الأكاذيب وتجارًا للوهم.
المرتزقة جعلوا الكذب صناعة !

القضية يا سادة لم تعد جهلًا، بل أصبحت مصلحة. فالكذب اليوم أصبح مربحا
إن سباق الترند ينتشر 10 أضعاف الحقيقة المملة. فمن أجل مشاهدات ولايكات، مستعد أن يحرق بلدا بإشاعة.
هناك صفحات تسترزق من الفوضى، عنوان كاذب مثلما نري العواجل الكثيرة علي تلك الصفحات “وفاة فنان مشهور” يدخلك على موقع مليء بالإعلانات، فيكسب هو وتخسر أنت وقتك وأعصابك.
الأمر تحول إلي تصفية حسابات فأسهل طريقة لتدمير إنسان أو شركة أو حتى فكرة، هي أن تطلق عليه كذبة في توقيت لا يستطيع فيه الدفاع عن نفسه.

هؤلاء لديهم فراغ فكري فهم لا يملكون محتوى حقيقي، فالكذب هو أسهل محتوى. لا يحتاج بحث ولا مجهود ولا علم. كل لحظة نبلع كثيرا من الكذب تحت ما يسمي مجهول الهوية بل وصل الأمر إلي الاستعانة بخبراء مزيفين مثلا طبيب يحذر أو دراسة تؤكد، بدون اسم الطبيب ولا مصدر الدراسة. وهدفها نشر الرعب الصحي والنصائح القاتلة.

كذبة الغضب العام مثلا الحكومة قررت كذا أو زيادة أسعار كذا غدًا كذب يصنع حالة سخط عام من لا شيء. حتي الأديان لم تسلم منهم يشوهون كل شيء في حديث موضوع، أو قصة لم تحدث، فتوى من شخص غير مؤهل، لتشويه الدين أو لاستعطاف الناس.

وكلها تبدأ بجملة واحدة نعرفها جميعا “على ذمة أحد الأصدقاء” أو “كما وصلني” الثمن.. نحن من ندفعه نحن لا نشارك مجرد بوست، نحن نشارك في جريمة.

كم من بيوت خربت بسبب إشاعة طلاق أو خيانة نشرها شخص أقل ما يوصف بأنه تافه، مرضى ماتوا بسبب وصفة علاج كاذبة انتشرت كالنار.
وطن كامل يمكن أن يدخل في فتنة طائفية بسبب خبر كاذب.
قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ”

تخيل أيه العاقل مجرد أنك تنقل كل ما تسمع، هذا وحده يجعلك كاذبًا في ميزان السماء.فكيف نوقف هذا الوباء؟

الحل ليس في يد الحكومات فقط، بل في يدك أنت، فقبل أن تشارك أي خبر صادم، قف 30 ثانية واسأل: من المصدر؟ هل هذا منطقي؟ هل سأتحمل ذنب نشره لو كان كذبًا؟
لا تكن يا رجل جسرًا للكذابين إعجابك وتعليقك حتى لو بتشتم صاحب الكذبة، هذا يجعل الخوارزميات تنشرها أكثر. أفضل رد على الكاذب هو التجاهل والإبلاغ.
تابع المصدر لا الناقل لو خبر طبي تابع وزارة الصحة أو طبيب موثوق، لو خبر عام تابع وكالة أنباء رسمية، لا تتابعه من صفحة اسمها كذا أو كذا .

افضح الكذاب بأدب لو رأيت كذبه، لا تقل “أنت كذاب”. ضع الرابط الصحيح أو الصورة الأصلية واكتب “الخبر الصحيح هو…” الناس تصدق الدليل لا الشتيمة.

في النهاية، السوشيال ميديا كشفت حقيقتنا. أعطت كل جاهل ميكروفونا، وكل حاقد جمهورا وكل كاذب منصة.

الحقيقة اليوم أصبحت عملة نادرة، ومن يتمسك بها هو المجاهد الحقيقي في هذا الزمن الرقمي. لا تكن وقودا لنار الفتنة، كن أنت من يطفئها.

طاهر إدريس يكتب:مصانع إنتاج الأكاذيب

زر الذهاب إلى الأعلى