امل الدالي تكتب: الزاوية العكسية

لكل منا عين يرى بها الدنيا ولكن هل ترى كل العيون بنفس الشكل بالتاكيد لا، فبين الناس مسافات من الفكر والمعتقد والتحليل والمنطلق وتتسع هذه المسافات كلما اشتدت ضغوط الحياة وتشابكت التحديات وهنا يظهر الاختلاف جليا ويصبح هو القاعدة لا الاستثناء.
تعالوا ندخل من باب مفتوح الى الاربع حيطان التي تسكن فيها الاسرة المصرية لنتأملها وجها لوجه بين ما تحلم به وما تصطدم به من واقع بين امال معلقة في السقف وطموحات تسير على الارض ومعوقات تقف في المنتصف.
بعد ايام قليلة تفتح المدارس ابوابها لعام دراسي جديد وتعود معها حزمة التزامات ثقيلة توضع مباشرة على كاهل الاب والام وفي بيوت كثيرة لا يوجد الا كتف واحد يحمل وفي بيوت اخرى توجد امرأة معيلة بلا سند زوج اما مطلقة واما ارملة وتجري وحدها في سباق لا يتوقف
الهدف واحد في كل البيوت نجاح الابناء والعبور بهم سنوات الدراسة خطوة خطوة ويبدأ العائل في تجهيز شنطة المدرسة والحذاء والزي المدرسي ودفع مصروفات العام وشراء الكتب والكشاكيل وتوفير اللانش بوكس وكل التفاصيل الصغيرة التي تتراكم فتصبح جبلا.
وفي الوقت نفسه تبدأ جولة الاتفاق مع المدرسين الخصوصيين رغم حملات الدولة على السناتر التعليمية ومحاولات غلقها الا انها ما زالت تعمل وتستقبل الطلاب وتزدحم بالاسماء والمواعيد
وتبدأ الام رحلتها اليومية من البيت الى المدرسة ثم الى السنتر ثم تعود لتجلس مع الابن او الابنة للمذاكرة وحل الواجب واعداد الطعام وادارة شؤون البيت وتتحول ساعات المساء الى ساحة اوامر وتوتر بين زعيق وشخط ومحاولات اقناع حتى ينصاع الابن لكم التعليمات المدرسية فيكبر في داخله شعور ان المدرسة عبء لا متعة.
في المقابل توجد مدارس اخرى الصورة فيها مختلفة تماما الطالب يذهب صباحا وهو مبتسم يجد انشطة وتمارين وملعبا مجهزا وحمام سباحة ومساحات للعب والتعلم وقبل ان يغادر يكون قد انهى واجبه داخل الفصل ثم يستقله باص المدرسة ليعود الى بيته فيجد وقتا للحياة الاجتماعية مع اهله وللحديث وللراحة.
انها مفارقة حقيقية يدفع ثمنها بالالاف من لا يملكها يبقى في الدوامة يحارب متطلبات حياة لا تشبع وسباق مصروفات لا ينتهي بين دروس وادوات ومواصلات وضغط اعصاب.
السؤال الذي يطرح نفسه هل التعليم حق للجميع بنفس الجودة ام انه اصبح سلعتين سلعة ميسرة لمن يستطيع وسلعة مرهقة لمن يحاول.
الاسرة المصرية لا تطلب المستحيل تطلب فقط فرصة عادلة لابنائها مدرسة تحترم عقل الطالب ومعلم يقدر دوره ودولة تخف عن كاهل البيت بعض الاعباء حتى لا يتحول التعليم من حلم الى هم ومن مستقبل الى عبء.
في الزاوية العكسية نرى الصورتين معا صورة البيت الذي يحارب وصورة المدرسة التي تحتفي وبينهما الاف الاسر تقف في المنتصف تنتظر ميزانا اعدل وغدا اقل قسوة.
امل الدالي تكتب: الزاوية العكسية







