دنيا ودينآراء

د.حسني ابوحبيب يكتب : أسرار ولطائف تكفير السيئات لغير الحاج في يوم عرفة

“لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ” [البقرة: 198].

لا شكَّ أننا نعيش أيام الفضل والبركة، نعيش أيامًا هي أفضل أيام الدنيا على الإطلاق، نعيش أيام العشر الأُوَل من ذي الحجة، تلك الأيام التي أقسم بها العليُّ سبحانه من عليائه، إشارة منه تعالى على فضلها وشرفها على ما سواها من أيام، وما ظنك بأيام أقسم الله تعالى بها جملة، ثم أقسم بفجرها وشفعها ووترها، وأمرنا بالإكثار من ذكره في جميع أوقاتها، وأخبر أنها أيام معلومات، تعقبها أيام معدودات، وفوق ذلك جعلها سبحانه وعاءً لأعظم أركان دينه، ذلك الركن الذي كان به كمال الدين وتمام النعمة، وفيه من المنافع للعباد ما لا يعلمها إلا ربُّ العباد، فقال تعالى: “لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَعْلُومات” [الحج: 28].

وبعد ساعات بفضل الله تعالى ومنّه نستقبل أعظم أيامها، وأشرف لياليها، نستقبل اليوم المشهود، ذلك اليوم الذي يمتاز بليلتين دون سائر الأيام، فما من يوم من أيام الدنيا إلا وله ليلة واحدة، وهي الليلة التي تسبقه، إلا يومنا هذا فله ليلة سابقة وليلة لاحقة، وهو يوم المباهاة، حيث يُباهى فيه الملك ملائكته بعباده الوقوف له عز وجل في هذا اليوم على الجبل الذي عُرف باسمه، ونال الشرف من رسمه، يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: “إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ فإِنَّ الله يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. فَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: أَيْ رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ يَزْهُو وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ. فيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ” [صحيح ابن خزيمة].

وهو اليوم الذي استجاب الله تعالى فيه لرسوله في أمته، جاء في سنن ابن ماجة “أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، بِالْمَغْفِرَةِ فَأُجِيبَ: إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، مَا خَلَا الظَّالِمَ، فَإِنِّي آخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ. قَالَ: أَيْ رَبِّ إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ. فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، أَعَادَ الدُّعَاءَ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ؟ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ. قَالَ: إِنَّ عَدُوَّ الله إِبْلِيسَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي، وَغَفَرَ لِأُمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ، فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ”.

وفضل ذلك اليوم لا يتسع له مقال، ولا يمكن لأحد أن يحيط به على أي حال، لكن علينا أن نغتنم كل لحظة منه، بالذكر والدعاء وصنوف الطاعات، وألّا ننشغل عنه بحال من الأحوال، وقد شاءت حكمة الله تعالى ولطفه بأمة حبيبه صَلَّى الله عليه وآله وسلم أن جعل هذا اليوم يوم فضل وبركة للحاجّ ولغير الحاجّ، أما فضله للحاجّ، فالمغفرة والعتق من النار وضمان التبعات، إلى غير ذلك.

أما فضله لغير الحاجّ أولئك الذين حالت دونه ودونهم الحوائل، فعظيم متى وقفوا بقلوبهم على ربهم، وطافوا بأرواحهم حول مرضاته، فحجّ الأرواح أرجى بالقبول من حجّ الأشباح، وقد دلّنا رسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم كيف نحظى بفضله، فحثّنا على صيام نهاره، وقيام ليله، وأخبرنا بأن من صام نهاره فقد غفر الله تعالى له سنتين، ماضية وقابلة، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: “أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ سَنَتَيْنِ: سَنَةً مَاضِيَةً، وَسَنَةً مُسْتَقْبَلَةً”.

وهذا العطاء من الله تعالى لغير الحاجّ قد يساوي عطاءه للحاجّ، فإذا كانت جائزة الحاجّ الكبرى أن يعود من حجّه كيوم ولدته أمه، فإنّ شمس ذلك اليوم لا تغرب على غير الحاجّ ممن صامه إلا وقد خرج منه كيوم ولدته أمه، وذلك بتكفير الله تعالى لسيئاته ومغفرته لذنوبه، بل ربما زاد فحفظه الله تعالى سنة كاملة حتى يظله ذلك اليوم من جديد. فلا يزال في رضوان من الله تعالى حتى يلقاه.

كذلك حثّنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بالإكثار من الذكر والدعاء في ذلك اليوم المشهود، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: “خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ”. وهذا الحديث الشريف لو أمعنا فيه النظر لوقفنا منه على إشارات ولطائف أراد رسولنا أن يلفت نظرنا إليه، فهو يقول: خير الدعاء، ثم يبين لنا خير ما يُدعى به في هذا اليوم، فإذا تأملّت كلامه صلى الله عليه وآله وسلم فإنك لا تجد فيه دعاءً، بل تهليل وثناء على الله تعالى، وفي هذا إشارات إلى أنه ينبغي للمسلمين في هذا اليوم أن ينشغلوا بربهم عن أنفسهم، وبآخرتهم عن دنياهم، وبالباقي عن الفاني، فإنهم متى فعلوا ذلك أعطاهم الله تعالى فوق ما يرجون، ومنحهن من الفضل ما لا يتصورون، فمن انشغل عن نفسه بمولاه، وذهل بسيده عن هواه، حقّق له ربُّه مناه، وزاده على ما يتمنّاه، فإن الله تعالى يقول: “مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ فَوْقَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ”.

لهذه المعاني الجليلة أخبر ربّنا في كتابه بعد أن حثّنا على ابتغاء الفضل في ذلك اليوم العظيم عن أقوامٍ حذّرنا أن نكون منهم، أولئك الذين لا همَّ لهم إلا الدنيا وحطامها، فقال تعالى: “…فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ” [البقرة: 200].

ما أريد قوله أحبتي الأكارم: علينا جميعًا في هذا اليوم أن ننشغل بربنا عنّا، ونفرّ من طلبنا إلى ما طلبه منّا، فإن فعلنا ذلك دبّر لنا المدبّر سبحانه أمرنا، ويسّر المُيسّر تعالى عسيرنا، وأرضانا بعد أن يرضى عنّا، وأعطانا ما يكفينا ويفيض منّا، وأختم بقول سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري رضي الله عنه: “خير ما تطلبه منه، ما هو طالبه منك”. أي إن كان لك دعاء في هذا اليوم فسله أن يعينك على القيام بما أمرك به، وخلقك له.

هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبل ممن دعاه لعرفاته ويغفر لمن حالت الحوائل بينه وبين عرفات، وأن يكتب الله لنا ولكل مشتاق الوقوف على عرفات العام القادم وكل عام بمنّه وفضله وكرمه وجوده.

وكلّ عام والأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها بخير.

د.حسني ابوحبيب يكتب : أسرار ولطائف تكفير السيئات لغير الحاج في يوم عرفة

زر الذهاب إلى الأعلى