منوعات

الامسية الثانية للمكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي تناقش رسائل السلام في رمضان

كتب عبدالعظيم القاضي

نظم مركز العرب للدراسات والأبحاث أمسية رمضانية وفعالية ثقافية ضمن أنشطة المكتبة الرقمية للكاتبوالمفكر، علي الشرفاء الحمادي، بحضور كوكبة من المفكرين والمثقفين والباحثين.

حاضر في الندوة التي أدارها الكاتب الصحفي والإعلامي محمد فتحي الشريف رئيس مركز العرب للدراسات والأبحاث، كل من الأستاذ الدكتور عبد الراضي رضوان عميد كلية دار العلوم الأسبق، والكاتب الصحفي والأديب هشام النجار.

وفي البداية قال الدكتور عبد الراضي رضوان إن المتأمل في المشروع الفكري والموسوعي للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، ولا سيما في رسائله وكتاباته المتنوعة، يستوقفه بشدة ذلك الاعتماد الجذري والمنهجي على العودة إلى القرآن الكريم واعتباره المرجعية الوحيدة التي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومن خلال قراءتي وتأملي لهذا المنهج المتكامل، أؤكد أنه قَبَسٌ جديد من أنوار شرعة الله، ينطلق من نزعة إنسانية خالصة تطفو على سطح مفرداته وتغوص في أعماق أهدافه. لقد استطاع الشرفاء الحمادي أن يؤسس لمركزية الإنسان وحفظ كرامته وأمنه وحريته من خلال استنباط القيم النبيلة من آيات الذكر الحكيم مباشرة، متجاوزاً بذلك كل ما ران على العقل الإسلامي من جمود، ومؤكداً أن الإصلاح الحقيقي وبناء الوعي المجتمعي لا يتحققان إلا بالرجوع إلى الأصل الصافي، وهو كلام الله جل وعلا، لبناء أخوة إنسانية جامعة متكاملة.
وأضاف: “ولعل أهم ما يميز هذه المنهجية المعرفية في فكر الشرفاء الحمادي هو شجاعتها في تحرير العقل المسلم من الانقياد الأعمى لتفسيرات من أسميهم بـ”فقهاء السوء”، وتخليصه من المرويات المكذوبة التي ولدت فكراً مغلوطاً وإرهاباً مقيتاً أضر بالبلاد والعباد وصرف الناس عن الغايات العليا للإسلام. إن دعوته للعودة إلى القرآن الكريم هي في جوهرها دعوة لإعادة ضبط البوصلة نحو مقاصد الشريعة السمحة المتمثلة في السلام والمحبة والعدل والإحسان، بعيداً عن حصر الدين في شكليات العبادات فقط. وبصفتي معنياً بخدمة لغتنا العربية وعلوم ديننا، أرى في هذا المنهج التنويري دعوة صادقة لبناء إنسان قادر على التفكير السديد والتمييز بين الحق والباطل، محصناً بأخلاق القرآن، ليكون قادراً على صياغة مشروع نهضوي حقيقي يعيد للأمة ريادتها وتوازنها الروحي والحضاري.

وألقى الكاتب الصحفي والأديب الأستاذ هشام النجار رئيس مجلس تحرير مجلتي “أطفالنا” و”كل حد” محاضرة فكرية تناولت أدوات ومفاتيح قراءة الكاتب والمفكر العربي الأستاذ علي الشرفاء الحمادي للقرآن الكريم، متوصلًا عبرها إلى القيم والمفاهيم الأقرب لمراد الله عز وجل ولروح ومقصد وجوهر الدين، مستعرضًا ثلاثة آليات .

وأوضح الكاتب هشام النجار أن القرآن الكريم هو كتاب الهداية الذي أنزله الله ليقود الإنسان إلى طريق الحق والتقوى، وأنه يركز على بناء الإنسان وإيقاظ ضميره، حيث تقوم فلسفة التشريع القرآني على التقوى التي تجعل الإنسان رقيبًا على نفسه، مستشهدًا بقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، مؤكدًا أن هذه الهداية تمثل الرسالة الخاتمة التي تكفّل الله بحفظها لتظل حجة على الناس إلى قيام الساعة.

أشار النجار إلى أن النتائج التي توصّل إليها المفكر علي الشرفاء الحمادي من خلال قراءته المتدبرة للقرآن الكريم تمثل طرحًا مختلفًا بصورة جذرية عمّا استقر في كثير من الكتابات التفسيرية التقليدية؛ إذ يمتد ليشكّل رؤية متكاملة تعيد فتح آفاق جديدة للفهم، وتدفع القارئ إلى إعادة التساؤل حول الكيفية التي يمكن بها لكتاب واحد وهو القرآن الكريم أن يقود إلى معانٍ ورؤى متباينة بهذا العمق.

وأوضح أن هذا التباين يزداد وضوحًا عند مقارنته بالنتائج التي انتهى إليها عدد من منظّري جماعات الإسلام السياسي ومنظري الجماعات التكفيرية، وفي مقدمتهم سيد قطب، حيث أن ما توصل إليه الشرفاء من خلال قراءته للقرآن الكريم من مفاهيم وقيم ورؤى مناقض لما توصل إليه هؤلاء في مختلف الملفات الرئيسية والمهمة، الأمر الذي يثير اهتمامًا مشروعًا للتعرّف على المنهج الذي اعتمده الشرفاء في قراءة النص القرآني، والذي أتاح له الوصول إلى مفاهيم ورؤى مغايرة للطرح التقليدي، وفتح المجال أمام إعادة النظر في أسس فهم القرآن الكريم كونه كتاب هداية وبناء ونهوض للإنسان والمجتمع.

وأشار النجار إلى أن الهداية تبدأ بإرادة الإنسان الحرة واختياره طريق الحق، وعندها تأتي هداية الله دعمًا لهذا الاختيار، كما في قوله تعالى: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)، وأن هذا الطريق يتطلب جهادًا فكريًا صادقًا، مصداقًا لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، في مقابل من اختار الطريق المعاكس بإرادته، فتأتي إرادة الله مؤكدة لهذا الاختيار، كما قال الله تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا)، وقوله (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا).

وأكد أن أحد أهم أسباب الخلل هو التعامل مع القرآن بمفاهيم تراثية تخالف مصطلحاته الأصلية، موضحًا أن المفاتح الثاني من مفاتيح قراءة القرآن الكريم هو التعامل مع القرآن بمصطلحاته، لأن كثيرًا من المفاهيم تغيّر معناها في التراث.

ووضح أن السُنَّة على سبيل المثال في القرآن هي سنة الله أي شرعه، وأن الرسول يمثل القدوة والأسوة الحسنة، بخلاف مفهوم السنة في التراث، وأن مفاهيم مثل النسخ والحكم وأولو الأمر والتعزير تعرضت لتحولات في التراث غيّرت دلالاتها القرآنية، مما أدى إلى بناء تصورات بعيدة عن النص الإلهي.

وشدد هشام النجار على أن المنهج الصحيح لفهم القرآن – وهو المفتاح والآلية الثالثة التي اعتمدها الأستاذ الشرفاء- هو التدبر الذي أمر الله به في قوله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)، موضحًا أن التدبر يعني جمع الآيات المتعلقة بالموضوع الواحد وربط الآيات المحكمة بآياتها المتشابهة التي تفصلها وتشرحها، حتى تتكامل الحقيقة القرآنية المجردة، مؤكدًا أن القرآن يفسر بعضه بعضًا وأن الله هو الذي يتولى بيان كتابه، كما في قوله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا).

وأوضح الكاتب هشام النجار أن التدبر يختلف عن التفسير، لأن التفسير في التراث ارتبط بإدخال آراء بشرية ومرويات ومفاهيم سابقة على النص، أما التدبر فهو جعل القرآن نفسه مصدر البيان، فنفهمه بالقرآن ومن خلال آياته اللي يفسر بعضها بعضً، لأن آياته بينات واضحات في ذاته.

كما أوضح أن التدبر معناه تتبع الآيات، وجعل القرآن (أمامنا وإمامنا) –بفتح الهمزة وكسرها، وبجمع كل الآيات المتعلقة بالموضوع، وترك الذهن خالي من التصورات الموروثة، وصولًا للحقيقة القرآنية المجردة
وساعتها نجد الآيات المحكمة، وهي القاطعة الدلالة، تؤكدها الآيات المتشابهة التي تفصلها وتشرحها، فيتكامل المعنى بدون تناقض، مصداقًا لقوله تعالى (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ)

وتناول النجار في محاضرته مثال الشفاعة باعتباره نموذجًا لتكامل البيان القرآني، حيث يقرر القرآن أن الشفاعة جميعها لله، وأنها تتم بإذنه ورضاه، مستشهدًا بقوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)، موضحًا أن نسبة الشفاعة إلى البشر تمثل نتاجًا لمرويات بشرية تخالف النص القرآني الذي يؤكد أن الله وحده هو الولي وهو صاحب الحكم ومالك يوم الدين، وأن الشفاعة في الآيات المتشابهة بجمعها وردهها للآية المحكمة هي لمن يأذ الله ويرضى له من الملائكة فقط.

واختتم كلمته بالتأكيد أن القرآن الكريم هو المرجع الأعلى للتشريع والهداية، وأن الاجتهاد الحق يكون في إطار نصوصه ومقاصده القائمة على العدل والحرية والرحمة، مشيرًا إلى أن التاريخ شهد محاولات لإخضاع القرآن لرؤى بشرية، غير أن الله حفظ كتابه ليظل النور الهادي للبشرية، مصداقًا لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

وأكد الحضور أن هذه الفعالية تأتي في إطار الجهود الفكرية التي تسعى إلى إعادة الاعتبار للمنهج القرآني الذي يدعو إليه المفكر العربي علي الشرفاء الحمادي، وإحياء الوعي بأهمية التدبر باعتباره الطريق إلى استعادة رسالة الإسلام القائمة على الهداية والسلام.

الامسية الثانية للمكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي تناقش رسائل السلام في رمضان

زر الذهاب إلى الأعلى