آراء

ياسر السجان يكتب :حج القلوب تجديد للعهد مع الله وكسر لروتين الغفلة

حين يقف الإنسان على صعيد عرفات يدرك لأول مرة أن كل الألقاب والمناصب والألوان التي يقسم بها الناس أنفسهم في الدنيا تذوب في لحظة واحدة أمام مشهد ملايين البشر بلباس واحد لا يميز بين غني وفقير ولا بين عربي وأعجمي ولا بين صاحب نفوذ ومجهول لا يعرفه أحد، فالكل واقف على قدم المساواة يرفع يديه إلى السماء بنفس الضعف ونفس الحاجة ونفس الرجاء، وكأن الحج جاء ليقول للإنسان إن أصلك واحد ومصيرك واحد وما عداه تفاصيل لا تغني عنك شيئاً يوم تقف وحدك بين يدي الله.

ثم إنك في الحج تتعلم أن الجسد يمكن أن يتعب ولكن الروح إذا وجدت غايتها لا تشكو التعب، فالمسافات الطويلة والزحام والحر وقلة النوم كلها تتحول إلى تفاصيل صغيرة حين يكون القلب حاضراً والنية صادقة، فتشعر أنك أقرب إلى نفسك مما كنت عليه قبل شهور لأنك نزعت عنك كل ما يلهيك من زخرف الدنيا ولبست إحراماً لا يخفي سوى عورتك ويكشف حقيقتك أمام نفسك قبل أن يكشفها أمام الناس.

ومن أعظم ما يعلّمه الحج هو ضبط النفس، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال، لأنك إن أطلقت لسانك أو يدك أو غضبك فقد خسرت معنى الرحلة كلها.

فالحج ليس طوافاً وسعياً ورمياً فقط، بل هو تمرين عملي على أن تكون إنساناً متماسكاً في أصعب الظروف، وأن تكظم غيظك وأنت متعب، وأن تبتسم وأنت مزاحم، وأن تؤثر غيرك على نفسك في الماء والظل والمكان، وهذا هو جوهر الأخلاق التي لا تظهر في الرخاء بل في الشدة.

كذلك يعلّمك الحج أن التكرار لا يعني الملل، فالطواف سبع مرات والسعي سبع مرات ورمي الجمرات أياماً متتالية كلها تكرار ظاهري لكنه في الباطن تجديد للعهد مع الله وكسر لروتين الغفلة التي تعيشها النفس بين مشاغل الحياة، فتدرك أن العبادة ليست مجرد حركة جسد بل هي شحن للقلب كل مرة حتى لا يصدأ.

ومن الدروس أيضاً أنك لا تملك في الحج إلا ما تحمله على ظهرك فتتعلم الزهد عملياً، وتكتشف أنك تستطيع العيش بأقل مما تظن، وأن راحتك النفسية لا ترتبط بعدد الأمتعة ولا باتساع الغرفة بل بصفاء البال وانشغال القلب بما هو أكبر من الدنيا.

ثم إن مشهد رمي الجمرات يضرب في أعماقك معنى أنك في حرب دائمة مع ما يوسوس لك ويحيدك عن الطريق، فترمي الحصى وأنت تستحضر أنك ترمي كل فكرة خبيثة وكل عادة مدمرة وكل ضعف داخلي يمنعك من أن تكون النسخة الأفضل من نفسك.

فالحج ليس رحلة مكان بل رحلة معنى تنتهي بعودتك إلى بيتك وأنت تحمل سؤالاً واحداً: هل سأحافظ على ما وجدته هناك أم سأعود إلى ما كنت عليه قبل أن أذهب؟ وهنا يكمن الاختبار الحقي.

فالحج يغسل الإنسان من الخارج والداخل، لكن الاستمرار على النظافة بعد الغسل هو قرارك أنت وحدك.

ولهذا يخرج الحاج وكأنه ولد من جديد، لا لأنه أدى مناسك فقط، بل لأنه رأى الدنيا بحجمها الحقيقي ورأى نفسه بحجمها الحقيقي أيضاً، فلا يعود متكبراً ولا يعود متعلقاً بما لا يملك، بل يعود أخف روحاً أوضح هدفاً وأقرب إلى الله وإلى الناس على حد سواء.

ياسر السجان يكتب :حج القلوب تجديد للعهد مع الله وكسر لروتين الغفلة

زر الذهاب إلى الأعلى