آراء

يوسف عبداللطيف يكتب: مأساة أسيوط والسلطة الفاشية و”الطفل” وقودا لمعارك الابتزاز

إذا أردت أن تدمر أمة، فلا تجتاحها بالجيوش، بل دمر النواة التي تقوم عليها، اضرب “الأب” في مقتل، وحول “الأم” إلى سلطة فاشية مطلقة، واجعل “الطفل” وقودا لمعارك الابتزاز. هذا بالضبط ما تفعله المقصلة المسماة بقانون الأحوال الشخصية الحالي، والتي أخرجت أسوأ ما في النفس البشرية من سادية وتدليس، فحينما يتحول القانون إلى “كتالوج” لارتكاب الجريمة الكاملة، وتتحول رعاية الأطفال إلى “عقد مقاولة للابتزاز والغل النفسي”.

اعلم أنك في حضرة المأساة المسكوت عنها للأسرة المصرية، لسنا أمام ثغرات تشريعية عابرة، بل نحن أمام “مسرح جريمة منظم” يهدم فيه المجتمع من داخله باسم العدالة. لم تعد المسألة مجرد “خلافات زوجية” تحل في أروقة محاكم الأسرة، ولم يعد الأمر مجرد نصوص قانونية تحتمل الصواب والخطأ، ما نعيشه اليوم في مصر هو “زلزال قيمي وبنيوي” يضرب أساس الأمن القومي في مقتل.
وما حادثة “مأساة أسيوط” الأخيرة، التي استيقظ المجتمع على وقعها، إلا إعلان وفاة رسمي للمنطق الاجتماعي، وشهادة صاعقة على أن “قانون الأحوال الشخصية الحالي” تحول من مظلة للعدالة إلى “مقصلة تشريعية” تسحق الرجل، وتدمر الأبناء، وتمنح الطرف السيء النية صكا مفتوحا لممارسة السادية القانونية.

عندما يحرم أب صال وجال، وداعب القانون بكل الطرق الشريفة، ودفع نفقات بناته بانتظام وبزيادات سنوية تفوق طاقته الاقتصادية في زمن يعتصر فيه الغلاء الجميع، لمجرد أن يحظى ب “ساعة رؤية” واحدة تمنحها له المحكمة على الورق وتمنعها عنه طليقته على أرض الواقع دون رادع، فنحن لا نتحدث عن قانون، بل نتحدث عن “شرعنة للظلم”.

المنظومة الحالية جعلت الأب في مرتبة “الصراف الآلي” “ATM”، مطالب بالدفع الإجباري، وممنوع من التربية الإنسانية. وحينما يغيب الأب بجهل القانون وتعنته، يخلوا الجو لصناعة “عقدة العداء الحتمي”، فيتربى الأبناء على كراهية آبائهم، ويتحولون في أيدي الأمهات المستقويات بـ “فاشية نسوية مشوهة” إلى مجرد أدوات للمكايدة والابتزاز.

ما حدث في أسيوط هو المحطة المرعبة التي حذرنا منها مرارا. زوجة تخلع زوجها، وهذا حقها، لكنها تقرر خلع إنسانيتها أيضا، تفبرك العناوين في المحاكم “التدليس بالإعلان” لمنعه من الدفاع، وتزور محررات رسمية ومفردات مرتب تضاعف دخله الحقيقي أربع مرات عبر مستندات مختومة بأختام مزيفة، والأدهى والأمر، تصدر بناتها في عمر الزهور “18 و21 سنة” لتقديم حوافظ التزوير.

لكي تحمي نفسها ومحاميها “الشيطان” الذي خطط للمكيدة، النهاية، سجن الأبناء لثلاث سنوات، وضياع مستقبل جامعي وإنساني، وهروب الأم لتمثل دور “المظلومية النسوية” على منصات التواصل الاجتماعي، وأب يبكي حسرة في المحكمة مستعدا للتنازل والتضحية بجسده لإنقاذ بناته اللواتي لم يروه منذ 10 سنوات. أي فجور تشريعي هذا الذي يوصل الأسرة المصرية إلى هذه النقطة من الانحطاط السلوكي والجرمي؟

القانون الحالي يلتهم السلم الاجتماعي، بمنظور العلوم السياسية، فإن القوانين تشرع للحفاظ على الاستقرار ومنع الجريمة، أما قانون الأحوال الشخصية الحالي فهو “مفرخة للجرائم”، إنه يدفع الأطراف إلى التزوير، والبلاغات الكاذبة، والتهرب الضريبي والوظيفي، ويدمر القوة الإنتاجية للرجل الذي يحارب في رزقه ونفسيته.

نحن أمام “أزمة رؤية وسحق للرجل المصرى”، الدولة تنادي ببناء “الإنسان المصري”، وقوانين الأسرة تهدم هذا الإنسان منذ الطفولة، الطفل الذي ينشأ في بيئة ترى في الأب “عدوا وممولا مجبرا” هو قنبلة موقوتة في المجتمع، والزوجة التي تشعر أن القانون يمنحها سلطة “مطلقة” بلا واجبات ولا رقابة، تتحول إلى مشروع مجرم هارب كما رأينا.

إن مشروع تعديل قانون الأسرة الحالي المعروض على طاولة النقاش لم يعد رفاهية فكرية، ولا مجال فيه لمجاملة تيار على حساب تيار، أو الخوف من صراخ “النسويات المستوردات”.

التعديل يجب أن يقوم على ركائز واضحة لا تقبل القسمة على اثنين، الاستضافة الإلزامية، من حق الأب أن يعيش معه أبناؤه أياما محددة، فالرؤية في مراكز الشباب إهانة لإنسانية الطفولة والأبوة، العقوبة الجنائية الفورية للتعنت، أي طرف يمنع الطرف الآخر من تنفيذ حكم الرؤية أو الاستضافة يجب أن يسقط حقه في الحضانة فورا ويحاكم جنائيا.

العدالة الناجزة والشفافية المخطوطة، مراجعة الدخل والنفقة يجب أن تتم بآليات رقمية وسيادية تمنع التزوير والمكائد، وتضمن كفاية الطفل دون تدمير الأب اقتصاديا.

اتقوا الله في الأسرة المصرية، كفى سحقا للرجل الذي بات يهرب من فكرة الزواج برمتها، وكفى تحويلا للأمهات إلى وحوش قانونية، وكفى زجا بالأبناء في غياهب السجون وثلاجات الكراهية، العدالة ليست في انتصار طرف على طرف، العدالة هي أن يبقى الأب أبا، والأم أما، والطفل إنسانا، والقانون سيفا قاطعا يحمي الجميع، لا سكينا يذبح به أحد الأطراف الآخر في عتمة الليل.

يوسف عبداللطيف يكتب: مأساة أسيوط والسلطة الفاشية و”الطفل” وقودا لمعارك الابتزاز

زر الذهاب إلى الأعلى