مهندس خالد محمود خالد يكتب :حادثة التورتة… بين الاستفزاز والتهويل

أثارت واقعة رفض أحد المحلات رسم الصليب على تورتة حالة واسعة من الجدل، وسارع البعض إلى اعتبارها دليلاً على انهيار الوحدة الوطنية في مصر، وربطها بتاريخ طويل من التحولات السياسية والفكرية والاجتماعية. لكن القراءة الهادئة للواقعة تكشف أن هناك قدراً كبيراً من المبالغة في توصيف الحدث وتحميله أكثر مما يحتمل.
فبحسب ما تم تداوله، لم يكن الطلب عادياً أو تلقائياً بقدر ما كان أقرب إلى “اختبار” للمحل، في ظل مناخ أصبحت فيه بعض التصرفات تُصنع خصيصاً لإثارة الجدل وتحقيق الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي. وهنا يصبح السؤال: هل الهدف كان بالفعل شراء تورتة، أم صناعة واقعة قابلة للتداول والاشتباك الإعلامي؟
وفي المقابل، لا يمكن اعتبار كل تصرف فردي أو قرار تجاري محدود دليلاً على أزمة وطنية شاملة. فالوحدة الوطنية لا تُقاس بحادثة منفردة، كما أنها لا تنهار بسبب موقف غير موفق من محل أو موظف. المجتمعات أعقد من أن تُختزل في “تريند”.
كما أن استدعاء ثورة 1919 والرمزية التاريخية للهلال مع الصليب في هذا السياق يحمل قدراً من التبسيط التاريخي. نعم، كانت ثورة 1919 لحظة وطنية مهمة ومُلهمة في التاريخ المصري، لكنها لم تكن عصراً مثالياً خالياً من التوترات أو الخلافات. كذلك فإن تصوير كل ما تلاها باعتباره انحداراً مستمراً لا يعكس الصورة الكاملة للمجتمع المصري وتعقيداته.
المشكلة الحقيقية ليست في تورتة، ولا في رسم أو رمز، وإنما في حالة الاستقطاب التي تجعل أي موقف قابلاً للتحول فوراً إلى معركة أيديولوجية. فبدلاً من التعامل الهادئ مع المواقف الفردية، يسارع البعض إلى توظيفها سياسياً أو دينياً أو إعلامياً، فتتحول حادثة صغيرة إلى ساحة صراع رمزي حول هوية المجتمع كله.
وكان الأجدر بالمحل — إن صحّت الواقعة — أن يتعامل مع الأمر ببساطة ودون إثارة، كما كان الأجدر أيضاً ألا يتم تحويل الموقف إلى “كمين اجتماعي” هدفه صناعة الجدل وإشعال مواقع التواصل.
الوحدة الوطنية الحقيقية لا تُبنى بالشعارات ولا بالاستدعاء المستمر للماضي، وإنما تُبنى بالثقة الطبيعية بين الناس، وبالهدوء، وبالقدرة على منع الاستفزاز من التحول إلى فتنة، ومنع الأخطاء الفردية من أن تصبح حكماً على مجتمع كامل.
مهندس خالد محمود خالد يكتب :حادثة التورتة… بين الاستفزاز والتهويل






