آراء

يوسف عبداللطيف يكتب: الجلاد ومشرط الإنصاف.. مستشفى المبرة بأسيوط نموذج طبي يتحدى البيروقراطية

الصحافة ليست مهنة لمسايرة التيار، بل هي وقفة رجل في وجه العاصفة، كنت أتهيأ لكتابة “بيان حرب” ضد ملف التأمين الصحي، هذا الملف الذي تحول في نظر الكثيرين إلى رمز لخذلان الدولة لمواطنيها، كنت أحمل في جعبتي تقارير الغضب، حتى اصطدمت بواقع هدم كل تصوراتي المسبقة، لقد تحولت طاولة النقد التي كنت أجهزها إلى منصة للإنصاف، بعد أن رأيت في عيون الأطباء والمسؤولين ما يجعلني أعدل عن “القنص” إلى “التوثيق”.

لطالما كنت أظن أن “التأمين الصحي” في مصر هو المقبرة التي تدفن فيها كرامة المريض قبل جسده، وأن البحث عن إنسانية داخل ردهاته يشبه البحث عن إبرة في كومة قش من الإهمال والبيروقراطية، كنت مسلحا بمشرطي كاتب رأي حر، مستعدا لتشريح جثث الفساد في هذا الملف الذي يقتات على أوجاع الفقراء، لكن، حدث ما لم يكن في الحسبان، ووجدت نفسي، أنا الجلاد، أتحول إلى شاهد ملك على معجزة ترفض أن تموت وسط حطام الفشل.

ففي محراب صاحبة الجلالة، تعلمنا قبل عقود أن الكلمة ليست مجرد حروف مرصوصة، بل هي أمانة نضعها في عنق التاريخ، وتعلمت من أستاذنا الراحل “مجدي مهني” درسا لا يغيب عن ذاكرة المهنية “لا تمدح من لا تستطيع مهاجمته، ولا تهاجم من لا تملك شجاعة الإنصاف في حقه”، واليوم، أجد نفسي أمام حالة استثنائية فرضت علي الخروج عن المألوف، بعد أن كنت أستعد لخوض معركة نقدية كاشفة عن أوجاع ملف التأمين الصحي في مصر.

فإن مفارقة “المبرة”.. حينما يلتقي الألم بالأمل، وإنني ككاتب رأي قضى عمره يفتش في دهاليز الأزمات، كانت تجربتي الشخصية داخل مستشفى “المبرة” للتأمين الصحي بأسيوط، لحظة صدام حقيقي مع ما كنت أظنه “حقيقة ثابتة” عن تراجع الخدمات، لقد دخلت المستشفى تحت وطأة نزيف حاد، مثقلا بهواجس الخوف والريبة من واقع المنظومة، لأجد نفسي أمام مشهد مغاير تماما.

لم يكن التواجد المفاجئ للدكتور أحمد محمود سعد، مدير المستشفى، والدكتور أحمد عثمان، مدير فرع التأمين الصحي بأسيوط، في قلب أيام عيد الأضحى، مجرد “تفتيش إداري”، بل كان تجسيدا لحضور الدولة في أوقات الأزمات، لم تكن صداقتنا القديمة – مع مدير مستشفي المبرة – هي ما لفت انتباهي، بل كانت تلك “الإنسانية المهنية” التي تعاملوا بها مع مريض، في لحظة ضعف، دون استعراض أو تكلف.

وجدت فميا وراء جدران المؤسسة.. الإنسان قبل المكان، إن الفضيحة الحقيقية في ملف الصحة المصري ليست في نقص الأجهزة فحسب، بل في “جفاف الموارد البشرية” وفقدان روح التفاني، وهنا تحديدا، كان الدكتور أحمد شويحي، استشاري الجهاز الهضمي، نموذجا لما ينبغي أن تكون عليه “دبلوماسية الطب”، حين طلبت منه، من شدة خوفي، تحويلي لمستشفى أسيوط الجامعي، لم يقابلني بالصد أو التعالي، بل بذكاء الطبيب الذي يثق في أدواته، وهدوء الحكيم الذي يدرك أن طمأنة المريض هي نصف العلاج.

لقد رأيت التطور بعيني، لا في الأجهزة فحسب، رغم روعتها، بل في “أنسنة” الخدمة، رأيت فريق التمريض وفريق التخدير الذي لم يتركني للحظة، يتعاملون مع المرضى بسواسية لا تعرف المحسوبية، تلك الحالة جعلتني أطرح سؤالا جوهريا: إذا كان هذا التميز ممكنا في “المبرة”، فلماذا لا يصبح “قاعدة” لا “استثناء”؟

فلابد من تجديد خارطة الطريق.. نحو عدالة صحية، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه المنظومة الصحية في مصر اليوم هو “جودة الإدارة” قبل “وفرة الموارد”، إن نموذج “المبرة” يثبت أننا لا نحتاج دائما إلى مليارات إضافية بقدر ما نحتاج إلى إدارة ميدانية، المسؤول الذي ينزل لساحات الاستقبال في الأعياد هو الذي يبني الثقة، لا المسؤول الذي يكتفي بتقارير المكاتب المكيفة.

واستثمار البشر، تطوير المهارات السلوكية للأطقم الطبية لا يقل أهمية عن تحديث المناظير والأجهزة، وترسيخ العرف الإيجابي، عندما ننتقد الفساد والإهمال، يجب أن نمتلك الشجاعة الكافية للإشادة بالنموذج الناجح، حتى لا يصبح الإخلاص في العمل “عملا بطوليا” يحتاج لتسليط الضوء عليه، بل ليصبح هو المعيار الطبيعي.

لم أكتب هذه الكلمات لأوزع صكوك الغفران على أحد، ولا لأرسم لوحة وردية لواقع يئن، لقد كتبت لأنني رأيت “استثناء” يرفض أن يهزم، ورأيت كفاءات تثبت أن الدولة تمتلك الأصول البشرية، لكنها تفتقر أحيانا إلى الإرادة الإدارية لتكرار النجاح، إن مستشفى “المبرة” بأسيوط ليس مجرد مبنى، بل هو رسالة لمن يهمه الأمر: “الإصلاح ليس مستحيلا، بل هو اختيار”، والسؤال الذي سأظل أطرحه حتى أرى التغيير: هل نملك الجرأة لتعميم هذا الاستثناء، أم سنكتفي بتصنيفه ك “معجزة” تحدث صدفة في الأعياد؟

سأحتفظ بكلمات الشكر لمن أنصفوني بإنسانيتهم، وسأحتفظ بمشراطي الصحفي لمن يظن أنني سأتوقف عن الرقابة، إن مستشفى “المبرة” أسقط أقنعة التبرير عن وجوه المتقاعسين، وأثبت أن من يريد العمل، يجد الطريق، ومن لا يريد، يجد الأعذار، هذه ليست نهاية القصة، بل هي بدايتها، لقد رأيت النور في آخر النفق بأسيوط، والآن، أنتظر منكم، يا أصحاب القرار، أن تفتحوا أبواب المنظومة كلها لهذا النور، فالمصريون يستحقون أكثر بكثير من “مجرد استثناءات” نادرة.

إن الصحة في مصر ليست لمن يملك المال فقط، بل هي حق لكل مواطن في رحاب التأمين الصحي، اليوم، أرفع القبعة لكل يد مخلصة في مستشفى المبرة، ليس لأنهم أصدقاء، بل لأنهم منحوني “درسا في المهنية” في وقت كنت أبحث فيه عن “قصة فضيحة”.

السؤال الذي أضعه اليوم على طاولة المسؤولين، هل ننتظر حتى نقع جميعا في أزماتنا الخاصة لنكتشف الجواهر المخبأة؟ أم نحول هذه النماذج إلى “نمط إدارة” يسري على جسد المنظومة بأكمله؟

الأمل باق، طالما وجدت ضمائر حية، وحروف لا تخشى في الحق لومة لائم.

يوسف عبداللطيف يكتب: الجلاد ومشرط الإنصاف.. مستشفى المبرة بأسيوط نموذج طبي يتحدى البيروقراطية

زر الذهاب إلى الأعلى