آراء

د. أميرة لطفي تكتب :رسائل من الماضي

تعد مصر من أغنى دول العالم بالآثار الإسلامية التي تمثل شاهدا حيا على عظمة الحضارة الإسلامية وتطورها عبر أكثر من ألف وأربعمائة عام من التاريخ المتواصل.

تحمل القاهرة لقب مدينة الألف مئذنة لما تضمه من مساجد ومدارس وأضرحة وقلاع وأسوار تحكي قصص الدول التي حكمت مصر من العصر الأموي وحتى العصر الحديث.

بدأت ملامح العمارة الإسلامية في مصر مع بناء جامع عمرو بن العاص في مدينة الفسطاط والذي يعد أول مسجد أقيم في قارة إفريقيا وكان نقطة انطلاق لنشر الإسلام والعلم في ربوع القارة.

ثم جاء العصر الطولوني ليقدم لنا مسجد أحمد بن طولون بطرازه الفريد ومئذنته الحلزونية التي لا تزال مبهرة حتى اليوم وتعكس عبقرية المعمار الإسلامي في تلك الحقبة.

ومع قيام الدولة الفاطمية تأسست القاهرة وأصبحت عاصمة للدولة ومركزا دينيا وعلميا وثقافيا كبيرا وشهدت بناء الجامع الأزهر الذي تحول مع الوقت إلى أقدم جامعة إسلامية في العالم ومقصدا لطلاب العلم من كل مكان.

كما شيد الفاطميون مساجد عظيمة مثل مسجد الحاكم بأمر الله ومسجد الأقمر وبوابات القاهرة العريقة مثل باب النصر وباب الفتوح وباب زويلة التي لا تزال تحافظ على هيبتها.

وفي العصر الأيوبي بنى صلاح الدين الأيوبي قلعة الجبل لتكون حصنا منيعا للمدينة ومقرا للحكم وشيد سورا ضخما حول القاهرة لحمايتها وشهد عصره بداية الاهتمام بالعمارة العسكرية والدفاعية.

أما العصر المملوكي فهو العصر الذهبي للعمارة الإسلامية في مصر حيث بلغ الفن المعماري ذروته في الدقة والجمال والزخرفة وشهد بناء مجمعات ضخمة مثل مسجد السلطان حسن ومسجد الرفاعي ومسجد ومدرسة السلطان برقوق ومسجد المؤيد شيخ.

تميزت هذه الفترة باستخدام الحجر والرخام والخشب المزخرف والزجاج الملون والنحاس المطعم لتصنع تحفا معمارية لا مثيل لها وتجذب أنظار العالم كله.

امتدت هذه الثروة المعمارية إلى مدن أخرى مثل الإسكندرية ورشيد والفيوم وأسوان حيث توجد مساجد أثرية وتكايا وزوايا تحمل طابعا محليا مميزا.

ولا تقتصر أهمية هذه الآثار على الجانب التاريخي فقط بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي والسياحي لأن السياحة الثقافية والدينية أصبحت أحد أهم مصادر الدخل القومي وتوفر ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

ويعد الترويج للآثار الإسلامية في مصر ضرورة ملحة في ظل المنافسة العالمية الشديدة على جذب السائحين حيث تبحث الأسواق عن تجارب جديدة تجمع بين الروحانية والمعرفة والجمال
ويحتاج الترويج إلى رؤية متكاملة تبدأ بالحفاظ على هذه المواقع وترميمها ترميما علميا دقيقا يحافظ على أصالتها ويمنع تدهورها بسبب الزمن وعوامل التلوث.

كما يجب تطوير البنية التحتية المحيطة بالمواقع الأثرية من طرق وخدمات وإضاءة وتأمين لتوفير تجربة مريحة وآمنة للزائر.

ويمثل التدريب عنصرا أساسيا في هذه المنظومة حيث يحتاج المرشدون السياحيون إلى تأهيل لغوي وتاريخي قوي ليتمكنوا من نقل قصة كل أثر بأسلوب جذاب ودقيق.

ويلعب الإعلام والتسويق الرقمي دورا محوريا في التعريف بهذه الكنوز من خلال إنتاج أفلام وثائقية وتقارير مصورة واستخدام منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي للوصول إلى جمهور عالمي أوسع.

كما أن تنظيم الفعاليات الثقافية والمعارض والملتقيات الدولية داخل المواقع الأثرية يساهم في إعادة إحياء هذه الأماكن وجعلها مراكز نابضة بالحياة وليست مجرد متاحف مفتوحة.

ويساعد الترويج للسياحة الإسلامية في مصر على تصحيح الصور النمطية وتقديم صورة حقيقية عن الإسلام السماوي الذي بنى حضارة عظمت العلم والفن والعمران.

كما يعز هذا الترويج مكانة مصر كقلب العالم الإسلامي وكمنارة للفكر الوسطي المعتدل الذي خرج من الأزهر الشريف ووصل إلى كل بقاع الأرض.

إن كل زائر يمشي في شارع المعز أو يصعد إلى قلعة صلاح الدين أو يجلس في صحن الأزهر يحمل معه انطباعا لا ينسى وينقله إلى بلده فيصبح سفيرا لمصر دون أن يدري.

والاستثمار في هذا الملف هو استثمار في الهوية الوطنية وفي الاقتصاد وفي المستقبل لأن الآثار الإسلامية ليست حجارة فقط بل هي رسائل من الماضي تخاطب الحاضر وتفتح أبوابا للمستقبل
لذلك يجب أن تكون هناك إرادة حقيقية وشراكة بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص لتحويل هذا الإرث العظيم إلى قوة ناعمة تخدم مصر وتدعم اقتصادها وترفع اسمها عاليا بين الأمم.

د. أميرة لطفي تكتب :رسائل من الماضي

زر الذهاب إلى الأعلى