آراء

د. محمد مدني يكتب :النرجسية الخفية

تعد الشخصية النرجسية واحدة من أكثر اضطرابات الشخصية التي تثير الجدل في الأوساط النفسية والاجتماعية لأنها تؤثر بشكل مباشر على العلاقات الإنسانية وعلى بيئة العمل وعلى الأسرة.

ويظهر الشخص النرجسي بثقة مبالغ فيها وحب مفرط للذات ورغبة دائمة في أن يكون محط الأنظار والإعجاب ويعتقد أنه مميز ولا يستحق إلا الأفضل.

كما يتميز بغياب التعاطف مع الآخرين وصعوبة في فهم مشاعرهم ويتعامل مع الناس على أنهم وسائل لتحقيق أهدافه ومصالحه الشخصية.

وتنقسم النرجسية إلى نوعين أساسيين النرجسية الظاهرة التي تتسم بالغرور الواضح والتفاخر المستمر، والنرجسية الخفية التي تبدو متواضعة ولكنها مليئة بالحساسية المفرطة للنقد والشعور الداخلي بالاستحقاق.

وتكمن خطورة الشخصية النرجسية في أنها تدمر العلاقات القريبة لأن الشريك أو الصديق يجد نفسه دائما في موضع اللوم ويتعرض للتقليل من قيمته وللتلاعب العاطفي.

وفي بيئة العمل يخلق النرجسي مناخا ساما من خلال سعيه للسيطرة ونسب النجاح لنفسه وإلقاء الفشل على الآخرين مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة التوتر.

كما أن الأطفال الذين ينشأون مع أب أو أم نرجسيين يعانون من تدني تقدير الذات وصعوبة في بناء حدود صحية في علاقاتهم المستقبلية.

وتعود أسباب اضطراب الشخصية النرجسية إلى عوامل متعددة منها أساليب التربية التي تتأرجح بين التدليل المفرط والإهمال الشديد وبين النقد القاسي والمبالغة في المديح.

وتلعب العوامل الوراثية والبيولوجية دورا أيضا إلى جانب التجارب المبكرة التي يمر بها الإنسان وتشكل نظرته لنفسه وللعالم.

ويتم تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية من خلال معايير محددة تشمل الشعور بعظمة الذات والخيالات عن النجاح والقوة والجمال المثالي والحاجة للإعجاب المستمر واستغلال الآخرين وعدم التعاطف.

أما عن طرق العلاج فإن العلاج النفسي هو الخيار الأهم وخاصة العلاج المعرفي السلوكي الذي يساعد الشخص على التعرف على أنماط التفكير المشوهة وتعديلها.

كما يستخدم العلاج الديناميكي طويل المدى للوصول إلى جذور المشكلة وفهم كيف تكونت هذه الصورة عن الذات في الطفولة
ويحتاج العلاج إلى وقت وصبر لأن الشخص النرجسي غالبا ما يرفض الاعتراف بوجود مشكلة لديه ويعتبر أن الآخرين هم المخطئون
لذلك يلعب دور الأسرة والأصدقاء دورا مهما في تشجيع المصاب على طلب المساعدة دون مواجهة عدائية أو اتهام مباشر.

ومن المفيد أيضا تعلم مهارات التعاطف والاستماع وتأجيل إشباع الرغبات وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل بدلا من السيطرة
وفي بعض الحالات قد يصف الطبيب النفسي أدوية تساعد في السيطرة على أعراض القلق أو الاكتئاب التي قد تصاحب اضطراب الشخصية النرجسية.

والوقاية تبدأ من التربية السليمة التي تعطي الطفل الحب والاهتمام مع وضع حدود واضحة وتعليمه قيمة الآخرين واحترامهم.

إن التعامل مع الشخص النرجسي يحتاج إلى وعي وحزم ووضع حدود صحية لحماية النفس من الاستنزاف العاطفي.

وفي النهاية يجب أن ندرك أن النرجسية ليست قوة بل هي قناع يخفي هشاشة داخلية وخوفا عميقا من الرفض وعلاجها يبدأ بالمواجهة الصادقة مع الذات والرغبة الحقيقية في التغيير.

د. محمد مدني يكتب :النرجسية الخفية

زر الذهاب إلى الأعلى