آراء

يوسف عبداللطيف يكتب: عقد المودة

اعتدنا أن نسمع المقولة الجاهزة التي توارثتها الألسن، “العلاقة بين المالك والمستأجر كعلاقة توم وجيري”، أحدهما يطارد والآخر يهرب، أحدهما يحصل والآخر يماطل، حرب بلا هدنة على الإيجار والصيانة والعداد، ومن قال هذا الكلام لن يعدم من يؤيده، فكم من بيت تحول إلى ساحة نزاع بين طرفين لا يجمع بينهما سوى عقد من ورق، وسوء ظن متبادل لا ينتهي.

لكنني اليوم، ومن قلب تجربة لمست فيها جوهر الإنسانية، أعلنها صريحة، من يظن أن هذه العلاقة محصورة في جدران وأجرة فهو واهم، بل هو غافل عن أسمى معاني العشرة، فليست كل علاقة بين مالك ومستأجر قائمة على الحسابات وحدها، بل قد تنمو فيها المودة، ويكبر فيها الاحترام، حتى يصبح الرابط بين الطرفين أعمق من أي عقد أو اتفاق مكتوب.

لقد غادر مستأجري بالأمس، وترك خلفه شقة خاوية، لكنه لم يتركها “فارغة” بالمعنى المادي، بل ترك صدري خاويا من أنس كان يملؤه، لم يكن مجرد مستأجر يطرق بابي مطلع الشهر، بل كان جارا يطرق باب قلبي بالمودة، وأخا شاركني تفاصيل يومي، وصديقا هون علي بوجوده زحمة الأيام وقسوتها، لقد كان وجوده هو السكن الحقيقي، لا الحيطان التي تحمينا.

يظن الناس أن هذه العلاقة يجب أن تبقى رسمية باردة، إيجار، عقد، تجديد، ثم لا شيء، لكن الحقيقة أن البيوت لا تصير بيوتا إلا حين يسكنها بشر، لا أسماء موقعة على أوراق، لقد كان وجوده في بيتي سنوات، دخولا لقلبي لا بوصفه “طرفا في عقد”، بل أخا افتتح الصباحات بابتسامة، وكان حضوره وحده كافيا ليجعل البيت “بيتا”، لا مجرد سقف يسد فراغا.

ساعات نقضيها في البحث عن “السعادة” في المظاهر، في الأشياء الكبيرة، بينما السعادة الحقيقية تتلخص في كلمة، “الألفة”، أن تجد من يشبهك في زحمة الدنيا، من يمنحك كلمة طيبة تزيح عن كاهلك عبء اليوم، ومن يشاركك تفاصيل الحياة ببساطة وصدق، فتدرك أن أجمل النعم ليست فيما نملك، بل فيمن يشاركوننا الطريق بمحبة صافية.

يقول النبي ﷺ، “أحبب من شئت فإنك مفارقه”، كلمات تعلمنا أن نحب بصدق، ونستمتع باللحظة قبل أن تواريها يد الفراق، وجعي اليوم ليس اعتراضا على سنة الحياة، بل هو تقدير لغلاوة الشخص الذي كان يضيء بابتسامته ركنا في بيتي، وعندما أقف اليوم في هذا الركن، لا أرى إلا صدى ذكرياتنا، وأدرك أن الحزن ليس دائما دموعا، بل هو ذلك الفراغ الثقيل الذي يتركه رحيل “الطيبين” في قلوبنا.

إن هذا المستأجر، الذي لا أحتاج لذكر اسمه احتراما لخصوصيته، قد علمني درسا في الإنسانية يفوق ما تعلمته في مدارس الحياة، لقد سكن قلبي قبل أن يسكن عيني، وترك خلفه أثرا سيبقى ما حييت، هذا الرحيل هو تذكير قاس وجميل في آن واحد، تذكير بأن المسافات لا تزيد الغاليين إلا غلاء، وأن أثر أصحاب القلوب الطيبة يبقى حاضرا مهما ابتعدت الخطوات.

اللهم اكتب لأخي وصديقي كل خير في أيامه القادمة، وهنئ قلبه في كل خطوة يخطوها، بقدر ما كان بيتي بوجوده عامرا، سأظل أذكر أن المحبة لا علاقة لها بعقد إيجار، فمكانها القلب لا الورق، والمسافات لا تقدم ولا تؤخر في مكانة الطيبين من الناس، وستبقى الدعوات الصادقة خير ما يرافق الأحبة أينما كانوا.

تحية لكل روح طيبة، مرت في حياتنا وقطفت من قلوبنا أجمل أثر.

يوسف عبداللطيف يكتب: عقد المودة

زر الذهاب إلى الأعلى