د.فاطمة العزب تكتب : مفتاح الحياة المتوازنة

في رحلة الحياة، نلتقي بالكثير من الأشخاص، ونبني علاقات متنوعة، ونسعى إلى النجاح وإثبات الذات، لكن تبقى هناك علاقة واحدة هي الأهم والأطول عمرًا… علاقتنا بأنفسنا.
قد نهتم بإرضاء الجميع، ونحرص على إسعاد من حولنا، بينما نهمل أنفسنا، ونقسو عليها، ونحاسبها على كل خطأ، حتى تتحول الحياة إلى معركة داخلية لا يسمع صوتها أحد.
إن التصالح مع الذات ليس ضعفًا، وليس استسلامًا للواقع، بل هو شجاعة حقيقية. شجاعة أن تنظر إلى نفسك بصدق، فتتقبل نقاط قوتك كما تعترف بنقاط ضعفك، وتؤمن أن الخطأ لا يُنقص من قيمتك، وإنما يمنحك فرصة للنمو والتعلم.
نعيش اليوم في زمن يمتلئ بالمقارنات والضغوط، حيث تعرض وسائل التواصل الاجتماعي صورًا مثالية للنجاح والسعادة، فيظن البعض أن الجميع يعيش حياة كاملة إلا هو. ومع تكرار هذه المقارنات، يفقد الإنسان رضاه عن نفسه، ويبدأ في جلد ذاته، وكأنه ينسى أن ما يراه ليس سوى جزء صغير من حياة الآخرين.
ومن منظور علم النفس، فإن الإنسان المتصالح مع ذاته يتمتع بقدر أكبر من الاتزان الانفعالي، ويكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط، وأقل تأثرًا بالنقد، لأنه يدرك أن قيمته لا يحددها رأي الناس، بل يحددها ما يحمله من مبادئ، وما يسعى إليه من تطور.
التصالح مع الذات يبدأ بخطوات بسيطة: أن تسامح نفسك على أخطاء الماضي، وأن تتوقف عن مقارنة حياتك بحياة غيرك، وأن تمنح نفسك حق الراحة، وأن تتحدث إليها بلطف كما تتحدث إلى شخص تحبه.
تذكر دائمًا أن كل إنسان يحمل معركة لا يراها الآخرون، فلا تكن أنت الخصم الذي يزيد من قسوة تلك المعركة، بل كن السند والداعم لنفسك.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: هل أنا أعيش في سلام مع ذاتي، أم ما زلت أحاربها كل يوم؟
فحين تتصالح مع نفسك، ستكتشف أن السلام الحقيقي لا يُشترى، ولا يأتي من الخارج، بل يولد من داخلك، وينعكس على أسرتك، وعملك، وعلاقاتك، وعلى كل تفاصيل حياتك.
كاتبة المقال. د. فاطمة العزب
استشاري نفسي وأسري وتربوي
رئيس مؤسسة مصر الدولية لتنمية الموارد البشرية والبحوث المتخصصة








