علا فهمي تكتب : ترميم الثقة.. هل يمحو الاعتذار ما أفسده الغياب؟

في العلاقات الإنسانية، لا يكون الرحيل دائمًا نهاية واضحة، ولا يكون الاعتذار دائمًا بداية جديدة. هناك لحظة معقدة يمر بها كثيرون، حين يعود شخص اختار الغياب، حاملًا كلمة تبدو بسيطة: أنا آسف. لكن السؤال الحقيقي لا يكمن في الاعتذار نفسه، بل في ما يثيره داخل الطرف الآخر: ماذا لو عاد معتذرًا؟ وهل يكفي الاعتذار لإصلاح ما كُسر؟
المجتمع كثيرًا ما يصور الاعتذار على أنه لحظة رومانسية أو انتصار للمشاعر، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات العاطفية أو الأسرية، وكأن العودة وحدها دليل حب، وكأن الاعتذار يمحو الألم تلقائيًا.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا، فهناك اعتذارات تأتي بعد أن يكون الطرف الآخر قد دفع ثمنًا نفسيًا كبيرًا، وبعد أن تكون الثقة قد تعرضت لشرخ لا يعالجه مجرد الكلام.
الاعتذار في حد ذاته قيمة إنسانية نبيلة، لأنه اعتراف بالخطأ وتحمل للمسؤولية، لكنه ليس صكًا لإلغاء الماضي، وليس التزامًا على الطرف المجروح بأن يفتح الباب من جديد.
فمن حق الإنسان أن يقبل الاعتذار، ومن حقه أيضًا أن يرفض العودة، لأن التسامح شيء، واستعادة العلاقة شيء آخر تمامًا.
المشكلة أن المجتمع أحيانًا يضغط على الطرف المتألم بعبارات مثل: سامحي، الناس بتغلط، أو طالما اعتذر خلاص. هنا يتحول الاعتذار من فعل إصلاح إلى أداة ضغط أخلاقي، وكأن الشخص المجروح مطالب بالتنازل حتى يثبت أنه “طيب القلب” بينما الحقيقة أن الاعتذار الحقيقي لا يفرض نتيجة، بل يترك للطرف الآخر حرية القرار.
كما أن هناك فرقًا بين من عاد لأنه أدرك خطأه حقًا، ومن عاد فقط لأنه افتقد ما كان يحصل عليه من الطرف الآخر.
الاعتذار الصادق يظهر في تغير السلوك، لا في الكلمات وحدها. فالعودة التي لا يصاحبها وعي ومسؤولية قد تعيد الألم نفسه في شكل جديد.
لذلك، ربما لا يكون السؤال: ماذا لو عاد معتذرًا؟، هل عاد مختلفًا؟ وهل الكسر يمكن إصلاحه فعلًا؟ وهل أنا أريد هذه العودة أم أخاف فقط من فكرة الفقد؟
في النهاية، الاعتذار قد يداوي بعض الجراح، لكنه لا يلغي حق الإنسان في حماية نفسه، لأن بعض الأبواب تُفتح من جديد، وبعضها يُغلق ليس قسوة، بل احترامًا للوجع الذي حدث خلفه.١
علا فهمي تكتب : ترميم الثقة.. هل يمحو الاعتذار ما أفسده الغياب؟








