د.فتحي عامر يكتب: ملاحظات حول تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة

حين يعلو الغبار فوق المشهد الثقافي، ويختلط الجدل بالبلبلة، ندرك أن ثمة خللا أعمق من مجرد اختلاف في الرأي، بل أزمة في الرؤية ذاتها. هكذا بدا تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة لعام 2026، الذي جاء متأخرًا، مثقلًا بتوقعات لم تتحقق، ومحملا بأسئلة أكثر من كونه حاملًا لإجابات.
ليس التأخير في حد ذاته هو الأزمة، وإنما ما كشف عنه هذا التأخير من غياب التجديد الحقيقي. فالتشكيل الجديد، في جوهره، لا يكاد يختلف عن سابقه إلا في حدود ضيقة، أقرب إلى “تبديل مواقع” لا “تغيير مسارات”. وجوه تتكرر، وأسماء تعود، وكأن الزمن الثقافي في مصر قد توقف عند محطة بعينها، يرفض أن يتحرك إلى الأمام.
الأدهى من ذلك، أن هذا التشكيل، بكل ما أثاره من جدل، لا يملك في الأصل أدوات التأثير الحقيقية. فقرارات المجلس غير ملزمة، وتوصيات لجانه، مهما بلغت من عمق أو اجتهاد، تظل حبيسة الأدراج، لا تجد طريقها إلى صانع القرار. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: كيف لكيان يضم 28 لجنة وأكثر من 600 عضو، أن يظل تأثيره أقرب إلى “الوجود الشكلي” منه إلى الفعل الحقيقي؟
إن الأنشطة التي تُنظم—من ندوات ومؤتمرات—أصبحت، في نظر كثيرين، طقوسًا روتينية، تُقام بلا جمهور، وتختتم بتوصيات لا تقرأ، فضلا عن أن تُنفذ. وكأننا أمام مؤسسة تنتج الكلام لا الفعل، وتراكم الأوراق لا السياسات.
أما عن آليات الاختيار، فهي الأخرى تفتح بابا واسعا للتساؤل. غموض يحيط بالمعايير، وغياب للشفافية، واختيارات لا تخلو من مجاملة أو حسابات غير مفهومة. كيف يمكن أن تضم بعض اللجان عناصر من خارج تخصصها، في حين يتم تهميش خبرات أصيلة كان يمكن أن تضيف الكثير؟ بل كيف يُعقل ألا يُشرك رؤساء اللجان أنفسهم في اختيار أعضاء فرقهم، وهم الأدرى باحتياجات العمل ومتطلباته؟
هذه الاختلالات لا تقف عند حدود التنظيم، بل تمتد إلى بنية المشهد الثقافي ذاته. فضعف تمثيل الشباب—رغم بعض الإضافات المحدودة—يبقى علامة استفهام كبيرة. فالشباب ليسوا مجرد “نسبة” تُستكمل بها الصورة، بل طاقة قادرة على إعادة تشكيلها بالكامل. لكن ما يحدث هو العكس: هيمنة مستمرة للأجيال الأكبر، وإصرار غير معلن على إبقاء مفاتيح العمل في أيدٍ اعتادت نمطا معينا من الإدارة، لا تميل إلى المغامرة ولا تقبل بسهولة أفكار التغيير.
والنتيجة؟ حالة من الجمود، تُكرّس التخلف بدلًا من تجاوزه. إذ لا يمكن لمؤسسة ثقافية أن تقود التطوير، وهي أسيرة نفس الأدوات، ونفس العقليات، ونفس الأسماء. فالثقافة بطبيعتها فعل متجدد، وإذا فقدت قدرتها على التجدد، تحولت إلى عبء بدلًا من أن تكون قوة دافعة.
إن الأزمة الحقيقية ليست في الأسماء وحدها، بل في الفلسفة التي تحكم عملية التشكيل. فلسفة ترى في الاستمرار أمانا، وفي التغيير مخاطرة، فتختار الطريق الأسهل، ولو كان أقل جدوى. لكن التجارب تثبت أن الأمم لا تتقدم إلا حين تفسح المجال للأفكار الجديدة، وتمنح الفرصة لمن يملكون الشغف قبل الخبرة، والقدرة على الحلم قبل التمسك بالماضي.
يبقى السؤال معلقا: ماذا ننتظر من تشكيل لا يملك سلطة، ولا يعكس تجديدا، ولا يقوم على معايير واضحة؟ الإجابة، في الأغلب، لن تخرج عن دائرة ما اعتدناه: حركة بلا أثر، وصوت بلا صدى.
ولعل الأمل—رغم كل شيء—يظل معقودًا على لحظة وعي حقيقية، تُدرك أن الثقافة ليست رفاهية، وأن مؤسساتها لا يجب أن تكون مجرد واجهات، بل أدوات فاعلة في صناعة المستقبل. حينها فقط، يمكن أن يتحول المجلس الأعلى للثقافة من “منبر للكلام” إلى “قوة للتغيير”.!!







