يوسف عبداللطيف يكتب: سايكس بيكو الرقمية.. حينما تصبح العقول هي الأرض المحتلة الجديدة

العالم لم يخرج من الاستعمار قط، بل قام بتغيير “بروتوكولات” التشغيل فقط، بالأمس، كانت الجيوش تحتل الأرض بالسلاح والبارود، واليوم، تحتل العقول بالخوارزميات وأكواد البرمجة، بالأمس، كان الاستعمار يسرق الذهب والقطن والبترول، أما اليوم، فيسرق الوعي، والبيانات، والقرار، والسيادة، لقد استبدلوا “المندوب السامي” بـ “خادم البيانات”، وحل “التشفير” محل “الأسلاك الشائكة”، والنتيجة واحدة، نحن الأرض، وهم المالكون.
نحن لسنا مستخدمين لفيسبوك وجوجل وOpenAI، نحن موظفون كادحون لديهم، نعمل 24 ساعة في إنتاج البيانات وتدريب خوارزمياتهم، والراتب هو، لا شيء، سوى ضياع الوقت والتبعية، “سايكس بيكو” رقمية جديدة.
فحين يسيطر شخص على النفط، يملك مفاصل الاقتصاد، وحين يسيطر على الذكاء الاصطناعي، فإنه يملك “ماهية” الإنسان نفسه، نحن اليوم أمام حقيقة مريرة، الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة للتقدم، بل تحول إلى طبقة استعمارية جديدة أخطر من الاحتلال العسكري، لأنها غير مرئية، وتدخل بيوتنا طواعية في جيوبنا.
الذكاء الاصطناعي اليوم هو “المقصلة” التي ستعدم الطبقة الوسطى عالميا، بينما تتراكم المليارات في، سليكون فالي، تتلاشى وظائف المحاسبين، والمحامين، والمبدعين في دولنا، ليتحول المجتمع إلى قمة مدببة تملك كل شيء، وقاعدة عريضة لا تملك حتى حق العمل، لقد نجحت الشركات العابرة للقارات فيما فشلت فيه الإمبراطوريات القديمة، الاستعمار القديم كان يواجه مقاومة شعبية لأنه كان ملموسا ومرئيا.
أما “استعمار الخوارزميات” فنحن من ندفع ثمنه، ونحن من نغذيه ببياناتنا، ونحن من ندافع عن أدواته بشراسة، في هذا النظام العالمي الجديد، تحول الإنسان العربي من مواطن فاعل إلى مجرد “مادة خام رقمية”، نحن لا نستخدم المنصات، بل نحن نعمل لديها “سخرة” دون راتب، ننتج البيانات، نغذي النماذج، ونمنحهم خرائط عقولنا مجانا، ليقوموا هم بمعالجتها وإعادة بيعها لنا.
في صورة “ذكاء” يملي علينا كيف نفكر، ومن ننتخب، وماذا نستهلك، الدول النامية اليوم لا تصنع النماذج العملاقة، ولا تملك الرقائق، ولا تسيطر على مراكز البيانات، نحن مجرد “سوق للبيانات” وممولين لاحتكار الشركات الكبرى، لقد انقسم العالم إلى فئتين لا ثالث لهما، دول تملك الذكاء، ودول تدار بالذكاء، احتكار المعرفة، النووي الجديد، في الماضي، كان السلاح النووي هو أداة الردع الكبرى.
اليوم، “النموذج الذكي العملاق” هو الصاروخ العابر للقارات، هو قادر على توجيه الرأي العام، وتحليل سيكولوجية الشعوب، والتلاعب بالأسواق بضغطة زر، والسؤال الذي يطرح نفسه بمرارة، أين نحن؟ أين المحتوى العربي الحقيقي وسط هذا الزخم؟ لماذا نستورد “الذكاء” كما نستورد السلاح والقمح؟ ولماذا تتحول لغتنا العظيمة إلى مجرد “بيانات تدريب” في خوادم الغرب والشرق دون أن نملك نحن مفاتيح التصرف فيها؟
إن العالم العربي يدخل هذا العصر كمستهلك سلبي، لا كشريك أصيل، وهذا هو جوهر التبعية الحديثة، حين نترك لغتنا العربية لتعيد صياغتها خوارزميات أجنبية، فنحن نسلمهم “مفتاح الروح”، من يكتب لغتك، يحدد كيف تشعر، وكيف تعبر، وفي النهاية، كيف تكون، الخطر الحقيقي الذي يواجهنا ليس أن “الآلة ستفكر بدل الإنسان”، بل الخطر الأكبر هو أن “الإنسان سيتوقف عن التفكير لأن الآلة تفكر عنه”.
نحن بصدد عملية “إخصاء فكري” جماعي، حيث يتم تسليم مفاتيح الوعي لوسيط رقمي لا يملك أخلاقا ولا انتماء، بل يملك أهدافا ربحية وسياسية ضيقة، المعركة القادمة ليست على الحدود الجغرافية، بل على حدود العقول، ومن لا يملك ذكاءه الاصطناعي اليوم، لن يملك قراره السياسي أو الاقتصادي غدا، إما أن ننتفض لنصنع تكنولوجيتنا الخاصة، ونسترد سيادتنا على بياناتنا ولغتنا وعقولنا.
أو لنستعد لنكون مجرد “مستعمرة رقمية” هامشية في كتاب يكتبه غيرنا، الاستقلال في القرن الحادي والعشرين يبدأ من “الكود”، أو لا يكون، إن المعركة القادمة لن تخاض خلف السواتر الترابية، بل خلف شاشات “السيرفرات”، ومن لا يملك اليوم زمام خوارزميته، فلن يملك غدا حق تقرير مصيره، لقد ولى زمن الاستعمار الذي يطالبك بالخروج من أرضك، وجاء زمن الاستعمار الذي يطالبك بالخروج من “عقلك”.
لذا، فالخيار أمامنا الآن بات صفريا لا يقبل القسمة على اثنين، إما أن نكسر أغلال الكود ونسترد سيادتنا الرقمية، أو نرتضي لأنفسنا أن نكون مجرد “بيانات تدريب” في ذاكرة إمبراطوريات لا تعترف بنا إلا كأرقام، تذكروا جيدا، في عصر الذكاء الاصطناعي، إما أن تكون أنت “المبرمج”، أو ستظل للأبد مجرد “ثغرة” في نظام يملكه غيرك.
يوسف عبداللطيف يكتب: سايكس بيكو الرقمية.. حينما تصبح العقول هي الأرض المحتلة الجديدة








