م. خالد محمود خالد يكتب :ثقافة العمل داخل المشاريع الكبرى

في مواقع المشاريع الكبرى، لا تعمل الآلات وحدها، بل تعمل معها ثقافات كاملة جاءت من دول مختلفة، تحمل معها طريقة التفكير، وفلسفة الإدارة، وحتى طريقة الوقوف في الصباح.
ولهذا قد يرى العامل العربي مشهدًا غريبًا: موسيقى تُشغَّل مع بداية اليوم، وصفوف من العمال يؤدون تمارين جماعية، ثم إنذار إداري لأن هذه الموسيقى لم تعمل في موعدها.
فيتساءل بدهشة: هل نحن في مشروع صناعي أم في طابور مدرسي؟
لكن الحقيقة أن هذه التفاصيل الصغيرة تكشف اختلافًا عميقًا بين مدارس العمل حول العالم.
في الشركات الكورية واليابانية، لا تُعتبر التمارين الصباحية مجرد حركة رياضية عابرة، بل جزءًا من فلسفة كاملة تقوم على الانضباط الجماعي.
فالعامل هناك لا يبدأ يومه مباشرة بالآلة أو المعدة، بل يبدأه بالشعور أنه جزء من فريق يتحرك بإيقاع واحد.
النظام عندهم ليس فقط في التنفيذ، بل في السلوك اليومي نفسه.
ولذلك قد تُرسل الإدارة إنذارًا بسبب غياب موسيقى التمارين، لأنهم يرون أن الالتزام بالتفاصيل الصغيرة ينعكس لاحقًا على التفاصيل الكبيرة.
أما العامل المصري أو العربي، القادم من بيئة ترى أن قيمة العمل تُقاس بما أُنجز على الأرض، فقد يشعر أن كل هذه الطقوس تستهلك الوقت وتبطئ التنفيذ.
فبينما ينتظر العمال بدء العمل، تتراكم الاجتماعات والتوقيعات وتعليمات السلامة والروتين الصباحي، فينشأ ذلك الإحساس الشهير داخل مواقع المشاريع: “الورق أكثر من الشغل”.
وعندما تقارن هذه الثقافة بالمدرسة الروسية مثلًا، يظهر الفرق بوضوح.
فالشركات الروسية تميل غالبًا إلى العملية المباشرة والتركيز على الإنتاج والتنفيذ السريع.
لا تهتم كثيرًا بالطقوس اليومية أو المظاهر التنظيمية، بل ترى أن المهم هو استمرار العمل وتحقيق الهدف.
ولهذا يشعر كثير من العاملين أن الروس “أسرع وأبسط”، بينما الكوريين “أكثر تنظيمًا لكن أبطأ”.
أما الصينيون، فيقفون في منطقة وسطى بين المدرستين، لديهم انضباط آسيوي واضح، لكنهم في الوقت نفسه يميلون إلى السرعة وضغط العمل والإنجاز السريع.
قد تجد تجمعًا صباحيًا أو تعليمات سلامة مختصرة، لكنك نادرًا ما ترى نفس الصرامة الرمزية الموجودة في الثقافة الكورية أو اليابانية.
الصيني يريد أن يبدأ العمل بسرعة، بينما الكوري يريد أن يبدأ اليوم بطريقة صحيحة أولًا.
ومع ذلك، لا يمكن الحكم بسهولة على أي مدرسة بأنها الأفضل.
فالمشاريع النووية أو الصناعية العملاقة ليست مجرد سباق سرعة.
خطأ صغير في لحام أو إجراء سلامة قد يكلّف ملايين الدولارات أو يؤخر المشروع شهورًا.
لذلك تفضّل بعض الشركات أن تخسر ساعات في الإجراءات بدل أن تخسر سنوات في معالجة الأخطاء.
الحقيقة أن كل ثقافة تحمل نقاط قوة وضعفًا.
فالسرعة قد تُنجز المشروع سريعًا، لكنها أحيانًا تترك خلفها أخطاءً خفية.
أما الإفراط في البيروقراطية فقد يحافظ على الجودة، لكنه يستهلك الوقت والأعصاب ويخلق شعورًا بالبطء والإرهاق لدى العاملين.
وفي النهاية، فإن مواقع المشاريع الدولية ليست فقط مكانًا لبناء محطات أو مصانع، بل هي أيضًا ساحة تلتقي فيها فلسفات البشر المختلفة حول معنى العمل نفسه.
هل الأهم أن ننجز بسرعة؟
أم أن ننجز بدقة؟
وهل النظام وسيلة للعمل… أم أصبح أحيانًا عملًا بحد ذاته؟
م. خالد محمود خالد يكتب :ثقافة العمل داخل المشاريع الكبرى








