آراء

محمد صلاح يكتب :الوقاية أمانة والإنقاذ مسؤولية.. نداء عمالي لمواجهة “صرخة الصمت”

بصفتي ممثل عمالي وعلى مدار سنوات من العمل الميداني مع العمال ومتابعة أوضاعهم عن قرب أجد لزاماً عليّ أن أوجه هذا النداء إلى مؤسسات الدولة وكافة أطراف المجتمع بشأن ظاهرة لم تعد فردية أو عابرة بل أصبحت جرس إنذار حقيقي يستدعي تحركاً عاجلاً إنها ظاهرة الانتحار.

حين يئن المجتمع في صمت
إن تصاعد حالات الانتحار داخل أي مجتمع لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد سلوك فردي أو لحظة ضعف بل هو انعكاس مباشر لاختلالات عميقة في البنية النفسية والاجتماعية والاقتصادية وما نراه اليوم هو نتيجة تراكمات من الضغوط التي تجاوزت قدرة البعض على الاحتمال في ظل غياب منظومات احتواء فعّالة
الأزمة أكبر من الفرد.

من واقع خبرتنا في العمل النقابي نؤكد أن الإنسان حين يصل إلى هذه المرحلة لا يكون معزولاً عن سياقه بل يكون نتاج بيئة ضاغطة وظروف قاسية ومن ثم فإن التعامل مع الظاهرة يجب أن ينطلق من كونها قضية مجتمع بأكمله لا مجرد مسؤولية فرد.

كسر حاجز الصمت بداية الحل
أولى خطوات المواجهة تبدأ بالاعتراف الصريح بحجم المشكلة والتوقف عن وصم المرض النفسي أو ربطه بضعف الإيمان أو الخلل الأخلاقي نحن بحاجة إلى خطاب مجتمعي واعٍ تقوده الدولة وتدعمه المؤسسات الإعلامية والعلمية يرسّخ أن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة
نحو منظومة حقيقية للصحة النفسية.

لا يمكن الحديث عن حلول دون بنية قوية وهو ما يتطلب:
توفير خدمات دعم نفسي ميسّرة أو مجانية للفئات الأكثر احتياجاً
دمج الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين في المدارس والجامعات ومواقع العمل
إنشاء خطوط دعم نفسي تعمل على مدار الساعة تمثل طوق نجاة حقيقياً في لحظات الخطر.

الإعلام مسؤولية لا تحتمل الخطأ
الإعلام شريك أساسي وقد يكون سلاحاً ذو حدين المطلوب هو التوقف عن التناول المثير أو التفصيلي لحوادث الانتحار والتركيز بدلاً من ذلك على نشر الوعي وتسليط الضوء على قصص التعافي وتعزيز ثقافة طلب المساعدة باعتبارها قوة لا ضعفاً.

الأسرة والمجتمع خط الدفاع الأول
لا يقل دور الأسرة والمجتمع أهمية عن دور الدولة بل يمثلان خط الدفاع الأول من خلال:
الوعي بالعلامات المبكرة مثل العزلة والتغيرات السلوكية الحادة
دعم المبادرات المجتمعية والجمعيات الأهلية.

إعادة إحياء الروابط الاجتماعية التي تآكلت تحت ضغط الحياة الحديثة
معالجة الجذور الطريق الحقيقي للحل.

أي معالجة سطحية لن تحقق نتائج مستدامة فالأزمة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعوامل مثل البطالة وضغوط العمل والفقر والتفكك الأسري ومن هنا فإن تحسين بيئة العمل وتوفير الحماية الاجتماعية ودعم الشباب نفسياً ومادياً ليست رفاهية بل ضرورة.

دروس من تجارب دولية
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن المواجهة الجادة تؤتي ثمارها حين تتوافر الإرادة السياسية والرؤية الشاملة عبر دمج الصحة النفسية في السياسات العامة وتفعيل الشراكة بين الدولة والمجتمع
رسالة أخيرة.

إن انتشار هذه الظاهرة لا يعني فقدان المجتمع لقيمه بل يعكس حاجته الملحّة إلى مراجعة شاملة لمنظومات الدعم والرعاية.

الوقاية تبدأ بالإنصات الحقيقي
والعلاج يبدأ بالاحتواء الصادق
والحل يبدأ حين تتكامل إرادة الدولة مع وعي المجتمع.

محمد صلاح يكتب :الوقاية أمانة والإنقاذ مسؤولية.. نداء عمالي لمواجهة “صرخة الصمت”

زر الذهاب إلى الأعلى