آراء

د.فتحي عامر يكتب: قصر العيني و200 عام من الطب وصناعة قوة مصر الناعمة

لم يكن “قصر العيني” مجرد مبنى عتيق يطل على النيل، ولا مجرد كلية طب تخرج آلاف الأطباء، بل كان منذ اللحظة الأولى مشروع دولة، وحلم نهضة، وواحدًا من أهم تجليات القوة الناعمة المصرية التي امتد أثرها إلى العالم العربي وإفريقيا، بل وإلى قلب أوروبا نفسها. إنها حكاية تمتد لأكثر من مائتي عام، بدأت عندما أدرك محمد علي باشا أن بناء دولة قوية لا يمكن أن يتحقق بالسلاح وحده، وأن الجيش الذي يحلم به يحتاج إلى عقول تعالج، وأيدٍ تنقذ، ومنظومة علمية تحمي الإنسان قبل أن تدفعه إلى ميادين القتال.

في مطلع القرن التاسع عشر، كانت مصر تعيش زمنا بالغ القسوة. الأوبئة تضرب البلاد بلا رحمة، و الطاعون يحصد الأرواح، والطب أقرب إلى الدجل منه إلى العلم. لم يكن في مصر سوى مستشفى عسكري صغير في الأزبكية، بينما كان الحلاقون والحجامون يمارسون الجراحة، والمشعوذون يفسرون الأمراض على أنها “سخونة وبرودة” في الجسد، في مشهد يكشف حجم الفجوة الحضارية التي كانت تفصل مصر عن أوروبا الحديثة.

وكان محمد علي، الذي خرج لتوه من صراعات دامية مع المماليك، ومن حروب طويلة في الحجاز والسودان، يدرك أن مشروعه العسكري لن يصمد إذا ظل الجنود يسقطون بالمرض أكثر مما يسقطون في المعارك. ومن هنا بدأت الفكرة الكبرى: تأسيس طب حديث يليق بدولة حديثة.
ولأن فرنسا كانت وقتها قبلة العلم، ولأن أثر الحملة الفرنسية ما زال حاضرا بما تركته من علماء وخرائط وكتاب “وصف مصر”، اتجهت أنظار محمد علي نحو باريس ومرسيليا بحثا عن الرجل القادر على حمل راية الطب في مصر. لم يكن يبحث عن طبيب عادي، بل عن مؤسس، وعن عقل يستطيع أن يبني منظومة كاملة من الصفر.

وفي عام 1824 أرسل مبعوثه “فلورين تورينو” إلى فرنسا للتفاوض مع الكفاءات الطبية، وهناك بدأت رحلة البحث الصعبة. ستون طبيبا كانوا مطروحين للاختيار، لكن المهمة لم تكن سهلة. الجميع كان يدرك أن الذهاب إلى مصر يعني العمل تحت إمرة حاكم شديد الصرامة والطموح، وأن المشروع محفوف بالمخاطر.

وسط هذه الحيرة، ظهر اسم الطبيب الفرنسي الشاب أنطوان بارتليمي كلوت، الذي سيعرفه التاريخ لاحقا باسم “كلوت بك”. كان طبيبا موهوبا يعمل في مستشفى الأيتام بمرسيليا، وقد وافق على السفر، لكن بشرط يكشف عن شخصية تعرف ما تريد: أن يكون رئيسًا للأطباء والجراحين معًا، حتى لا تضيع القرارات بين الصراعات الإدارية.

وفي الثاني والعشرين من ديسمبر عام 1824، وقع العقد التاريخي، لتبدأ واحدة من أهم الرحلات العلمية في تاريخ مصر الحديث.
وصل كلوت بك إلى مصر عام 1825، فصُدم بما رآه. كتب لاحقًا في كتابه “لمحة إلى مصر” أن الطب كان ممسوخا، وأن الكتب العلمية تكاد تكون مختفية، وأن الجراحة تجرى بأيد لا تعرف التشريح ولا العلم. وكانت الأوبئة قد خفضت عدد سكان مصر إلى نحو مليوني نسمة فقط، في صورة مأساوية لوطن أنهكته الأمراض والجهل معًا.

لكن الرجل لم يهرب، ولم يتراجع. بل بدأ فورا في وضع اللبنات الأولى لنهضة طبية حقيقية. اقترح إنشاء “ديوان شورى الصحة”، ثم مستشفى عسكري في أبي زعبل وآخر في الإسكندرية، قبل أن يطرح فكرته الأهم والأجرأ: إنشاء مدرسة حديثة للطب.

ورغم اعتراض البعض بحجة أن المصريين “غير مؤهلين” لتعلم العلوم الأوروبية، فإن محمد علي حسم الأمر سريعًا، وكأنه كان يرى المستقبل بعين مختلفة. وفي عام 1827 ولدت مدرسة الطب في أبي زعبل، التي ستتحول لاحقًا إلى “قصر العيني”، أكبر صرح طبي في الشرق الأوسط، ومنارة علم خرجت أجيالًا من الأطباء الذين حملوا اسم مصر إلى العالم.

على مدى مائتي عام، لم يكن قصر العيني مجرد كلية، بل كان مصنعًا للوعي والعلم والإنسان. منه خرج الأطباء الذين واجهوا الأوبئة، وعبره تشكلت صورة مصر كدولة قادرة على تصدير المعرفة لا استيرادها فقط. ومن بين جدرانه صنعت واحدة من أعظم قصص النهضة المصرية الحديثة.
وهكذا تثبت الحكاية أن الأمم لا تبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل بالعلم الذي يحمي الإنسان، وبالعقول التي تصنع المستقبل. ولذلك بقي قصر العيني، حتى اليوم، أكثر من مجرد مؤسسة طبية… بقي شاهدًا على أن مصر حين قررت أن تنهض، بدأت أولا من الإنسان!

زر الذهاب إلى الأعلى