محمد الغريب يكتب ..وأد البنات في القرن الـ21

كي لا أقع في شِرَاك التدليس كانت متابعتي المتكررة لخطاب الجمعة الماضي عن تنظيم النسل، وما بين ثنايا هذا الخطاب استشعرت بما لا يدع مجالاً للشك أنه سعي للتحديد أقرب منه رغبة في تنظيم يساعد الدولة على التقاط أنفاسها بما لا يخل بالضوابط الشرعية في التعاطي مع مسألة النسل والإنجاب، وكانت مقالتي الأولى عن الولي الصالح في مذهب أحدهم وتنظيم النسل.

ومع تكرار نماذج الطفل الواحد أو الولي الصالح والولد الذكي دُفعت إلى معاودة الاستماع إلى الخطاب مراراً وتكراراً لتعاودني التساؤلات في كل مرة: هل قُصد بالولد الصالح ذكراً دون أنثى؟!، هل ما استمع إليه دعوة جديدة لوأد البنات لكن من خلال الدعاء كجزء من تمييز النوع الذكوري في مسألة التنظيم عليها؟!
كافة القرائن والنماذج والاستدلالات كانت منصبة على أسماء أنبياء الله يحيى وعيسى ومحمد عليهم السلام وابن نوح، وزالت دهشتي ما إن عادت إلى أذني تلك الكلمات:” حينما طلب الأنبياء الولدَ لم يطلبوا مجرد الولد، وإنما طلبوا نوعاً معيناً من الولد، طلبوا الولد الصالح”، ولم يكتف الخطيب بهذا القدر بل ذهب ليصف هذا الغلام الذكي؛ القادر على حمل النبوة وميراث الأنبياء من خلال دعوة إبراهيم وزكريا التي تنوعت ما بين الصلاح والطيبة، وما قاله في حق البتول وابنها:” غلاماً واحداً ذكياً وهو المسيح عيسى”، وأن النبي محمد كان المولود الوحيد لأبويه “لا ولد ولا بنت”.
وإني لأتعجب من مسلك الخطيب في تحميل بعض الآيات إفراداً وأخرى جمعاً، فكان قول المولى تبارك وتعالى:” يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا”، أن تعامل مع الإناث والذكور والجمع بين كلاهما كأنه حديث عن نوعٍ واحدٍ متفردٍ فيه ترجيح كفة الذكور، فيما كانت لفظة العقم وجعلها أم النعم صداها الأكبر وهو ما جعل من المتربصين والمرجفين يجعلون الزيادة عليها أمراً واجباً وضرورة شرعية، أما كان على الخطيب وخلفيته الدينية والعلمية أن ينأى عن تلك الحُفر وأن يبتعد قليلاً عن خطابات تقبل كافة الاحتمالات والتصورات والتأويلات إلى خطابٍ أكثر وضوحاً وأعمق رؤية.
ألم تكن هناك آيات في القرآن توضح أن ما آل إليه العرب من وأد للبنات هو خشية العار والفقر والسبي في حروب القبائل: “وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ “، ومنها قول الدكتور أحمد محمد الحوفي في كتابه “المرأة في الشعر الجاهلي”، إن العرب كانوا يئدون البنات مخافة أن ينزل بهم الفقر إذ يضطرّون للإنفاق على الذكور والإناث معاً، خصوصاً أن البيئة كانت شحيحة بالزاد كثيرة الفواجع والمجاعات، والإناث في هذه البيئة يأخذن ولا يعطين”.
كما كان للقرآن روايته عن موقف جدة عيسى من ابنتها مريم فقال تبارك وتعالى:” فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى”، فكان يتعين على من استاق النماذج أن يدرك خطر التفريق بين الأبناء وأن تكون النماذج للجنسين معاً فلا تستقيم الحياة بولد صالح دون أنثى صالحة ولا يمكن أن يستمر الجنس البشري مكتفياً بواحدٍ دون آخر، ولعل نصيحتي ألا تكون خطبة الإفراد سعياً لتقليل الزيادة السكانية سبباً في الخطى نحو محظور ديني، كما أن نوع الذرية وصلاحها هو قدر لا يمكن لبشرٍ أن يضبطه وإلا لكان نوحٌ عليه السلام أكثر فلاحاً وتوفيقاً في سائر أبنائه ولكان أقدر منا على تحديد إيمان ولده معه أو كفره به وبرسالته لكنها تظل سنة ربانية لا مفر من الوقوع بدائرة الاختبار الدنيوي في كون الأبناء بين الفتنة والزينة.

شارك المقال