فاطمة صديق تكتب:النرجسية من عيادات الأطباء إلى أحاديث المقاهي

هل لاحظتم كيف صارت كلمة “نرجسي” سلاحاً جاهزاً نرميه على أي شخص يضايقنا ؟
صديق تأخر في الرد صار نرجسياً. شريك طلب منك تغيير عادة تزعجه صار نرجسياً. زميل أخذ الكلام في اجتماع صار نرجسياً.
المشكلة أن الكلمة كانت تشخيصاً طبياً معقداً، خرجت من عيادات الأطباء النفسيين واستقرت في تعليقات التيك توك وحديث المقاهي. تحولنا لقضاة نصدر أحكاماً طبية بعد فيديو مدته ثلاث دقائق، ونسينا أن البشر أعقد من مقطع قصير.
من الطبيعي أن ترتاح حين تصف من آذاك بـ”نرجسي”. الجملة تعفيك من سؤال نفسك: هل أخطأت أنا أيضاً؟ لكن الحقيقة أن كلنا عندنا حب ذات، وفرح بالنجاح، وغضب حين نظلم. هذا ليس مرضاً، هذا طبيعة البشر.
اضطراب الشخصية النرجسية شيء آخر تماماً. إنسان لا يرى العالم إلا بمرآته، لا يقدر يضع نفسه مكان غيره، يحتاج للإعجاب كأنه إدمان، ونمطه ثابت منذ المراهقة ويخرب كل علاقاته. التشخيص يحتاج جلسات وساعات مع طبيب، مش لقطة على السوشيال ميديا.
نلصق التهم بسرعة لأنها أسهل طريقة لإنهاء النقاش، بدل ما نقول “أنا أخطأت وهو أخطأ”، نختار “هو شرير وأنا ضحية”. عقلية تريح للحظة وتوقف النمو، لأن أي علاقة فاشلة فيها طرفان.
وضع الحدود وقولك “هذا التصرف جرحني” شيء صحي. المشكلة تبدأ لما نحول مصطلحات العلاج لسلاح على كل خلاف تافه. والأخطر إننا نظلم اللي عاشوا كوابيس حقيقية مع نرجسيين حقيين. عشر سنوات كذب وتقليل وإهانة، يجي واحد يختصرها بكلمة قالها لصاحبه اللي نسي يرد على رسالة.
النفس معقدة ولا تُختزل في كلمة، جرحك اليوم ما يعني إن اللي قدامك مريض. ممكن كان متعب، يومه سيء، أو ببساطة إنسان غير كامل زيّنا.
الفرق كبير بين “أنت نرجسي سام” و”التصرف ده وجعني”. الأولى بتقفل الباب، والتانية بتفتحه.
لنرجع للغتنا الإنسانية. نعترف إننا بنغلط، ووراء كل شاشة إنسان بيدور على فهم، مش على حكم جاهز.
فاطمة صديق تكتب:النرجسية من عيادات الأطباء إلى أحاديث المقاهي








