د. حسنى ابوجبيب يكتب:مفتاح كل خير

قال تعالى “ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون” (الأنعام: 112 ، 137).لا ريب أن التسليم الكامل لله تعالى هو مفتاح كل خير ، وسبيل كل راحة ، وطريق كل سعادة ، فمن سلٌم له سلم منه ، وقديماً قال الصالحون: لا تدبرن لك أمراً فأولي التدبير هلكى وفوض الأمر إليه تجده أولى بك منك.
فلا شيء يخرج عن مشيئته ولا أحد يشذ عن إرادته ، ما أراده كائن لا محالة ، وما قضاه واقع لا ريب ، “فعٌال لما يريد”.

وهذا القول الكريم إنما نزل مسليّاً لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ومخبراً بأن عداوة من يعاديه من شياطين الإنس والجن وأن غرورهم وشرودهم عن الحق ومشاقاتهم لله ولرسوله إنما هو بعلم الله ويمشيئته ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم هداه وأراهم نوره ولكن سبق علمه بأنهم لا يهتدون ولو جاءتهم كل آية ، “ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا عنه وهم معرضون” (الأنفال: 23).

وإذا كان هذا القول الكريم مسليّاً لرسوله صلى الله عليه وسلم فهو كذلك مسلٍٍ لدعاة الحق في كل زمان ومكان ، إذ إنه طالما كان كل شيء بعلمه تعالى وإرادته فلنذر المفترين وافتراءاتهم ولنضرب الصفح عنهم ولنكن على يقين من خيبة مسعاهم “وقد خاب من افترى” (طه: 61) ، وخسارتهم وعدم فلاحهم ، لذا أمر ربنا تعالى رسولنا بأن يردد دائما قوله: “قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون” (يونس: 69).

ومن العجيب أن يتكرر ذلك القول الكريم الذي نحن بصدد الحديث عنه في تلك السورة مرتين ، وما ذلك إلا ليؤكد لرسولنا الكريم أن الأمر كله لله ، وأن كفر من كفر ، وجحود من جحد ، وتزيين من زين ، وتلبيس من لبّس ، كل ذلك ليس بخارج عن مشيئته ، وإنما خاضع لإرادته ، “ولو شاء ربك ما فعلوه…”. لا سيما أن السورة الكريمة التي نزل بها هذا القول الكريم وتكرر إنما نزلت ورسولنا صلى الله عليه وسلم يعيش أشد الأوقات ، ويعاني أشد المعاناة من تكذيب قومه وإيذائهم له ، لتخرجه من نفسه لربه.

من ثَمّ أمرنا الله تعالى بالإنابة إليه وبالتسليم له ، فقال تعالى: “وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له” (الزمر: 54) ، فالإنابة أن ترجع بك منك إليه ، والإسلام أن تسلم نفسك له وتوقن أنه سبحانه أولى بك منك وأقرب إليك من حبل وريدك.

نعم أمرنا أن ندعوا الناس إلى ربهم ، لكن لم نؤمر بهدايتهم ، فالدعاة وإن كانوا أنبياء دعاة وليسوا هداة ، فالله هو الهادي وحده ، والهدى منه وحده ، ودور الدعاة فقط أن يبينوا ذلك الهدى للناس ويشيروا لهم إليه ، “ذلك هدى الله يهدي به من يشاء” (الزمر: 23).

وإن من رحمة الله تعالى بالدعاة إليه أنه كلفهم الدعوة ولم يكلفهم الهداية ، “ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء” (البقرة: 272).

“ولو شاء ربك ما فعلوه” لو عشنا بهذا القول الكريم لخرجنا من هوانا إلى مولانا ، ومن تدبيرنا إلى مدبرنا ، لما علم ذلك سلفنا وعاشوا به ، فتحت لهم الأفهام فاستطاعوا القيام بالأحكام ، وتوالت عليهم العطايا فصمدوا للمحن والبلايا ، وكان يقينهم بأنه هو الذي يقدر ويرى معيناً لهم على كل ما جرى.

“ولو شاء ربك ما فعلوه” إن قوماً سمعوا هذا القول القول فعقلوه ، وعقلوه فصدقوه ، وصدقوه فعملوا بمقتضاه لهم أسعد خلق الله طرّاً ، وما للشيطان عليهم من سبيل ، وما شأنك بقوم علموا أن الكون بما فيه ومن فيه لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً لا يريده صاحب الكون ومالكهم ، لما علموا ذلك أحسنوا التسليم لمن بيده الأمر ، فخرجوا من هواهم لهواه ، ومن تدبيرهم لتدبيره ، فسعدوا وفازوا.

ولله در قائلهم إذ يقول: وكن عبده وألق القياد لحكمه وإياك تدبيراً فما هو نافع أتحكم تدبيراً وغيرك حاكم أأنت لأحكام الإله تنازع فمحو إرادات وكل مشيئةهو الغرض الأقصى فهل أنت سامع كذلك سار الأولون فأدركوا على أثرهم فليسر من هو تابع

نسأل الله تعالى أن يرزقنا يقيناً وإيماناً تنار بهما أعين بصائرنا ، وعلما يعصمنا من التدبير والهم منه ، وتوكلاً به يكن مالك الملك حسبنا.هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

شارك المقال