يوسف عبداللطيف يكتب: عندما تصبح رؤية البحر للـ”أثرياء” فقط

حين تصبح “رؤية البحر” جريمة، ويتحول شاطئ الوطن إلى “عزبة خاصة” يسورها حيتان المال والأعمال في وجه أصحاب الأرض الأصليين، فإننا لسنا أمام مجرد تجاوزات استثمارية عابرة، بل أمام جريمة اغتيال مكتملة الأركان لحق أصيل من حقوق المواطنة، ترتكب جهارا نهارا على مسمع ومرأى من دولة من المفترض أنها أمينة على مقدرات شعبها، لكن حماة التشريعي والرقابي فيها اختاروا الصمت المريب، وكأن شواطئ مصر باتت تركة مستباحة لمن يدفـع، لا حقا مقدسا يكفله الدستور ويحميه القانون.
الشواطئ المصرية.. حين تغتصب “ملكيتها العامة” على مسمع ومرأى من رقيب لا يرى صرخة قانونية ودستورية مدوية مساء الحقائق الموثقة التي لا تقبل التزييف، لقد حسمت محكمة النقض المصرية الجدل الدستوري والقانوني المثار حول ملكية الشواطئ والساحل البحري، مؤكدة في أحدث مبادئها القضائية أن شواطئ البحار والبحيرات وضفاف الأنهار تعد من الأملاك العامة الأصيلة للدولة ومخصصة للمنفعة العامة، مشددة بصرامة على عدم جواز تملكها من قبل الأفراد أو المنشآت السياحية بالتقادم أو بوضع اليد.
وجاء في حيثيات التكييف القانوني القاطع أن الدولة تعد “أمينة” على هذه الموارد الطبيعية لإدارتها وتنظيمها لصالح المجتمع، مما يجعل أي تصرف يؤدي إلى خصخصتها أو تملكها باطلا بطلانا مطلقا بقوة القانون، وبناءً على هذه القاعدة الراسخة، لا يحق للمنشآت السياحية منع المواطنين من ارتياد الشواطئ أو حجب رؤية البحر عنهم بأي شكل من الأشكال.
وفي السياق ذاته، تجدر الإشارة إلى أن الأحكام القضائية العربية والإقليمية الحديثة بدأت تتجه نحو توقيع عقوبات سالبة للحرية ضد مديري المنشآت الذين يمنعون المواطنين من دخول الشواطئ.
معتبرة ذلك جريمة تعدي على الحرية الشخصية وحرمانا صريحا من حق دستوري كفله القانون ولنأخذ العبرة من الشواهد المقارنة، فقد تزامن هذا التوجه مع صدور حكم مماثل من محكمة التمييز التركية في نفس الفترة، قضى بأن السواحل حق عام ملزم للمواطنين جميعا، وحظر إغلاق الشواطئ بذريعة الاستثمارات التجارية ملخص الحكم التاريخي لمحكمة النقض المصرية لكي تبقى الحقيقة ساطعة أمام العيون، إليكم أبرز ما جاء في حكم محكمة النقض الدامغ أملاك عامة أصيلة.
شواطئ البحار، البحيرات، وضفاف الأنهار تعد ملكا عاما للدولة، والدولة أمينة لا مالكة، التكييف القانوني للدولة هو أنها “أمينة” على هذه الثروات لإدارتها لصالح المجتمع ككل، لا لتسليمها لحيتان المال بطلان الخصخصة المطلق، أي إجراء أو تصرّف يتيح للأفراد أو المنشآت السياحية تملك الشواطئ بالتقادم أو وضع اليد هو باطل بطلانا مطلقا، وحظر تام للمنع والحجب، يمنع منعا باتا على المنشآت السياحية أو القرى الفندقية حرمان المواطنين من ارتياد الشواطئ.
أين نواب الشعب ومسؤولو الرقابة هنا يتوقف قلم الحبر عن المداهنة، ليوجه السؤال المشروع الذي يعج به وجدان الشارع المصري، أين دور نواب الشعب ومجالس الرقابة البرلمانية من محاسبة الوزراء والمسؤولين المقصرين في حماية هذه الحقوق الدستورية؟ حين تتحول رمال الشواطئ المخصصة أصلا للمنفعة العامة إلى “عزب” خاصة محاطة بالأسوار والأبواب المغلقة أمام المواطن البسيط، فإن الصمت التشريعي والرقابي لم يعد مجرد غفلة، بل هو تواطؤ صريح مع من استباحوا ملكية الأمة.
إن على نواب الأمة الاستيقاظ من سباتهم، والاضطلاع بمسؤولياتهم الدستورية العاجلة لمساءلة الوزراء المقصرين، وإجبار الجهات التنفيذية على تطبيق أحكام القضاء، وإعادة شواطئ مصر إلى أبنائها الشرعيين دون استجداء أو تمييز، التزاما بنصوص الدستور وصونا لكرامة المواطن الذي وجد هذا الوطن من أجله أولا وأخيرا آن الأوان لكي تسقط أسوار الاستحواذ وتقتلع أوتاد الاحتكار من على رمالنا التي لم تكن يوما ملكا لشخص أو منتجع، بل رئة يتنفس منها كل مصري، إن صمت البرلمان وعجز الرقابة لن يستمر إلى الأبد.
أمام طوفان الغضب الشعبي والوعي الدستوري الجديد فإما أن تتحرك الدولة اليوم لاسترداد هيبة القانون وتطهير السواحل من الغاصبين، وإما أن يكتب التاريخ أن شواطئ مصر بيعت بالجملة، وسكت عنها من أقسموا على حمايتها، ليبقى السؤال الأخير معلقا في رقبة كل مسؤول، هل ستنتصرون لدستور الوطن وأبنائه البلطجى أم لسطوة حيتان المال؟ الأيام بيننا، والحساب لا محالة آتي.
يوسف عبداللطيف يكتب: عندما تصبح رؤية البحر للـ”أثرياء” فقط








