آراء

يوسف عبداللطيف يكتب: سيرة الأبطال.. وصفقات الكراسي

على دكة المقهى القديم المجاورة لبيت الأمة، جلس صديقي الوفدي العتيق “عاشور العايق” يتأمل صورة شاحبة باللونين الأبيض والأسود للزعيم الليبي عمر المختار وهو يتقدم بخطى ثابتة نحو حبل المشنقة الفاشي.

وبجواره، كان “عبده مشتاق” مشغولا بضبط زوايا صورته الشخصية “السيلفي” ليكتب عليها منشورا حماسيا بمناسبة ذكرى استشهاد أسد الصحراء (16 سبتمبر). التفت إلي عاشور وقال ضاحكا بمرارة: “يا أستاذ يوسف، زمان كان البطل بيموت علشان كلمته تعيش، والنهاردة المسؤول بيموت في الكلمة والشاشات علشان الكرسي يعيش!”.

تذكرت وقتها كيف تحولت سير الأبطال العظام في واقعنا المعاصر من مناهج للمقاومة والصمود، إلى مجرد “بروشورات إعلانية” تستدعى في المناسبات لامتصاص الفراغ السياسي.

نحن على أعتاب ذكرى رحيل شيخ المجاهدين عمر المختار، الذي واجه في مثل هذه الأيام من عام 1931 مشنقة المحتل الإيطالي برأس مرفوعة ويقين لم تهزه جنازير الدبابات.

وبينما يتبارى نواب المحافل ورؤساء الكيانات في إلقاء خطب التباكي على التاريخ، يقف واقعنا التنظيمي والحزبي في انفصام تام عن جوهر تلك السيرة؛ فالأبطال لم يتركوا لنا مجرد حكايات لنبكي عليها، بل تركوا “أمانة ومسؤولية” أضعناها وسط كواليس التعيينات الفوقية والشو الإعلامي.

المتأمل في المشهد الحزبي والسياسي المعاصر يرى مفارقة حادة؛ فعمر المختار عندما عرضت عليه التسوية والمناصب والأموال من قبل الجنرالات الطليان لوقف الجهاد، نطق بمقولته التي صاغت وعي أمة: “نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت”.

أما في أروقة الكيانات الحزبية والنيابية المعاصرة، فتجد “مسعد بيه ترزي القوانين” يتسابق لتفصيل اللوائح وتكريس الصلاحيات المنفردة، ويهرول عند أول بادرة نفوذ متنازلا عن التقاليد المؤسسية التي أقسم عليها.

المبدأ والكلمة التي مات من أجلها الأجداد، أصبحت في دفاتر الأغلبية الحزبية مجرد بنود قابلة للمقايضة والمساومة خلف الأبواب المغلقة من أجل الحفاظ على المكتسبات الضيقة وتصفية الحسابات.

وعلى نفس الرصيف، يقف نواب الحناجر البرلمانية بوجوههم المألوفة؛ حيث يتقن “عبده مشتاق” إلقاء الخطب الرنانة مستدعيا كفاح الشعوب وتاريخ التحرر، لكن ما إن يغلق ميكروفون الجلسة، حتى تختفي الأدوات الرقابية الحقيقية والتشريعات الجادة المنوط بها حماية أقوات المواطنين ورقابة الموازنات.

يتحول النائب من مدافع عن حقوق الدائرة والشعب إلى باحث عن لقطة تلفزيونية وتكريم بروتوكولي، متناسيا أن المختار حين قال للمحكمة الصورية: “الحكم حكم الله لا حكمكم المزيف.. إنا لله وإنا إليه راجعون”، كان يؤسس لشرعية الحق في مواجهة زيف السلطة الفوقية. بينما يرتضي نواب الشو اليوم أن يكونوا مجرد جمهور في “بروفات إدارية” مكررة آخر من يعلم فيها هو المواطن البسيط.

والعدوى تتدفق لتصل إلى قيادات العمل المدني والأهلي؛ فحين تتأمل أداء “الحاج فهيم منظرة” رئيس الجمعية أو النادي، تجده يقتات على شعارات الخدمة العامة والعمل الاجتماعي، بينما تتحول الكيانات تحت إدارته الفردية إلى مساحات لتعظيم النفوذ والوجاهة الشخصية وفك الودائع المالية بطرق تكبد المؤسسات خسائر فادحة، دون تقديم أثر تنموي حقيقي بالشارع.

هؤلاء تناسوا مقولة أسد الصحراء الخالدة: “إنني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان أقوى من كل سلاح”؛ فحولوا العمل العام من رسالة تمنح الحياة للمجتمع إلى وسيلة لامتصاص موارد العامة.

إن الحديث عن تراجع قيمة “الكلمة والالتزام بالعهد” في الواقع العام ليس قدرا حتميا، بل يملك القانون والمؤسسات آليات واضحة لإعادة صياغة المشهد:

أولا: إلزام كافة القيادات الحزبية والبرلمانية بتفعيل مبادئ الشفافية والمساءلة العلنية، وربط استمرار المجالس التنفيذية بمدى التزامها بتطبيق اللوائح المعتمدة ديمقراطيا من القواعد، لمنع التعيينات الفوقية والموالاة.

ثانيا: تفعيل دور الأدوات الرقابية البرلمانية بشكل حقيقي ومستقل، بعيدا عن التهدئة وامتصاص الجدل اللحظي، ليكون التشريع حاميا حقيقيا لحقوق المواطن الدستورية.

ثالثا: إخضاع المؤسسات الأهلية والأندية لرقابة مالية وإدارية صارمة تربط بقاء مجالسها بمدى ما تقدمه من تنمية فعلية على الأرض، بدلا من سياسة التسكين والتسويف.

صديقي “عاشور العايق”، وهو يرى “عبده مشتاق” ينهي كتابة منشوره العصري ويعدل هندامه ليلحق بسيارته تاركا خلفه هموم الشارع، التفت إلي وقال بتهكمه اللاذع: “يا أستاذ يوسف.. المختار ساب حبل المشنقة وهو ميت وعاش تاريخه، وهما ماسكين في الكراسي بالتعيين وهي ميتة في نظر الناس.. السكينة صقيلة والرقاب اتمسحت بالأهواء والوعود!”.

وسط زحمة البيانات الرسمية واحتفالات سبتمبر المكررة، تظل الحقيقة واضحة لا غبار عليها: إن احترام تاريخ الأبطال لا يكون برفع صورهم كشعارات في المؤتمرات، بل بامتلاك شجاعتهم في صون الأمانة والالتزام بالعهد؛ فالزعيم الذي قال قبل صعوده للمنصة: “سيكون عمري أطول من عمر شانقي” لم يكن يتحدث عن معجزة، بل كان يعلم أن الكلمة الصادقة والموقف المؤسسي النزيه هما الممر الوحيد الذي لا يموت، وأن التراجع خلف بروفات المصالح الفردية لا ينتج إلا واقعا مريرا يدار بالمسكنات.

يوسف عبداللطيف يكتب: سيرة الأبطال.. وصفقات الكراسي

زر الذهاب إلى الأعلى