آراء

احمد البيلي يكتب: حرب الوعي

إن الحرب التي يخوضها الوطن اليوم لم تعد حربا تقليدية بالسلاح فقط، بل هي حرب من نوع آخر أكثر شراسة وخبثا، حرب تستهدف العقل والروح قبل أن تستهدف أي شيء آخر، إنها حرب الشائعات المغرضة التي أصبحت السلاح الأول والأساسي في يد كل من يريد الشر لهذا الوطن بعد أن فشلت كل محاولاته الأخرى في النيل من وحدة وتماسك هذا الشعب.

لقد أدرك أهل الشر أن هذا الشعب الذي استعاد وحدته وتماسكه في السنوات الأخيرة لا يمكن أن يهزم في ميدان مباشر، فكان القرار هو تغيير ميدان المعركة بالكامل، من ميدان المواجهة الواضحة إلى ميدان خفي داخل عقل كل مواطن، ومن خلال هاتفه المحمول وشاشة صغيرة يحملها في يده.

إن المتابع للمشهد على مواقع التواصل الاجتماعي يدرك حجم التحدي الذي نعيشه، فهناك غرف عمليات ضخمة ممولة من الخارج تعمل على مدار الأربع وعشرين ساعة لبث سمومها، مهمتها الوحيدة هي صناعة الإحباط واليأس، فكل إنجاز يتحول في نظرهم إلى فشل، وكل مشروع قومي عملاق يتحول إلى عبء، وكل خطوة للأمام يتم تشويهها وتصويرها على أنها خطوة للخلف، الهدف ليس النقد البناء الذي نريده جميعا بل هو الهدم الكامل للثقة بين المواطن ووطنه.

إن أخطر ما في الشائعة المغرضة أنها لا تأتي في صورة خبر كاذب صريح يمكن تكذيبه بسهولة، بل تأتي في صورة سم في العسل، تأتي في صورة جزء صغير من الحقيقة يتم تضخيمه وتشويهه، أو تأتي في صورة سؤال خبيث يبدو بريئا مثل هو ليه بيحصل كده أو هو احنا رايحين على فين، أسئلة تبدو بسيطة لكنها تحمل في طياتها دعوة مباشرة للتشكيك في كل شيء وفي المستقبل كله.

ولعل المتتبع لحملات التشكيك في المشروعات القومية يرى ذلك بوضوح، فعندما تبني الدولة مدنا جديدة لحل أزمة الإسكان المزمنة يقولون انظروا يبنون مدنا للأغنياء وينسون الفقراء، وعندما تبني الدولة طرقا وكباري لتوفير مليارات كانت تهدر في الزحام وحوادث الطرق يقولون انظروا يبنون كباري بدلا من بناء المصانع، وعندما تحاول الدولة تأمين احتياجاتها الأساسية في وسط إقليم مشتعل وظروف عالمية صعبة يقولون انظروا هناك أزمة، إنها نفس الآلة بنفس الكلمات بنفس الوجوه التي كانت تروج للفوضى في الماضي.

والتصدي لهذه الحرب الشرسة لم يعد مسؤولية جهاز أو وزارة بعينها بل أصبح مسؤولية وطنية جماعية تبدأ من البيت والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة، فالوعي هو حائط الصد الأول والأخير، وعلينا أن نعلم أبناءنا أن حب الوطن ليس مجرد شعارات تردد بل هو سلوك يومي، وأن مشاركة شائعة دون التأكد من مصدرها هي إساءة مباشرة لهذا الوطن الذي نعيش على أرضه ونأكل من خيره.

إن هذا الوطن لم يبق واقفا وصامدا أمام كل محاولات الإسقاط والتقسيم والتخريب خلال السنوات الماضية إلا بفضل تماسك أبنائه ووحدة صفهم وإصرارهم على العمل والبناء، وإن الدماء والتضحيات الغالية التي قدمها أبناء هذا الوطن المخلصين في كل المواقع من أجل أن نعيش نحن في أمان تستوجب منا أن نكون جميعا على قدر المسؤولية وأن نكون جنودا في معركة الوعي.

يا أبناء هذا الوطن إن الدولة التي صمدت أمام كل التحديات خلال السنوات الماضية قادرة على أن تعبر هذه المرحلة الاقتصادية الصعبة التي يمر بها العالم كله وليس وطننا وحده، لكنها لن تعبرها إلا باصطفافنا جميعا وتماسكنا، فالمعركة اليوم هي معركة بقاء دولة وليست معركة أشخاص، ومعركة وجود وطن وليست معركة فئة، وحين تكون المعركة معركة وطن فلا مكان للحياد ولا مكان للتشكيك، فإما أن نكون جميعا مع الوطن وإما أن نترك الوطن فريسة لأعدائه.

إن هذا الوطن الذي ذكر في الكتب السماوية والذي رويت أرضه بعرق وتضحيات أبنائه عبر آلاف السنين لن يسقط أبدا بشائعة ولن يهزم أبدا بكذبة على موقع تواصل، وسيبقى دائما عصيا أبيا قويا بأبنائه المخلصين ووحدتهم مهما حاول أهل الشر ومهما تآمروا.

احمد البيلي يكتب: حرب الوعي

زر الذهاب إلى الأعلى